نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢ - الشرح والتفسير شكوى من الأتباع الضعفاء
ثمّ يضيف:
«وَلَداً [١] نَاصِحاً، وَعَامِلًا كَادِحاً [٢]، وَسَيْفاً قَاطِعاً، وَرُكْناً دافِعاً».
وهذه الصفات الأربع لشخصية محمّد بن أبي بكر متجلية بشكل واضح في سيرته وشخصيّته وتعكس هذه العبارات عن جملة من فضائله، في البداية يشير إلى كونه من أهل الخير وبمنزلة الابن له، فمحمّد لم يكن فقط الابن الروحاني للإمام علي عليه السلام، بل مع الالتفات أنّ امّه أسماء تزوجت بعد وفاة أبي بكر من الإمام علي عليه السلام وكان محمّد قد تربى في حجر الإمام عليه السلام فإنّه يعدّ بمثابة الابن للإمام عليه السلام [٣].
ثمّ يشير الإمام إلى صفة العامل الكادح لمحمّد في منصب الوالي على مصر وأنّه كان ماضي الهمة وشديد العزيمة ومدبّراً خبيراً، ثمّ يتعرض الإمام عليه السلام لمواقف محمّد في مقابل الأعداء ويقول عنه أنّه كان سيفاً قاطعاً، وركناً دافعاً، وبعد ذلك يشير الإمام عليه السلام إلى لجوء محمّد باتخاذ تدابير دفاعية في مقابل هجوم الأعداء والحوادث المؤسفة ويشبهه بالعمد القوي والأساس الصلب والركن الدافع الذي يمنع البناء من الإنهيار ويدفع عنه البلايا والأخطار.
ومن أجل أن لا يتوهم أحد أنّ الإمام عليه السلام قصّر في الدفاع عن محمّد بن أبي بكر وحفظه يقول:
«وَقَدْ كُنْتُ حَثَثْتُ [٤] النَّاسَ عَلَى لَحَاقِهِ، وَأَمرْتُهُمْ بِغِيَاثهِ قَبْلَ
الْوَقْعَةِ [٥]، وَدَعَوْتُهُمْ سِرّاً وَجَهْراً، وَعَوْداً وَبَدْءاً [٦]، فَمِنْهُمُ الآتِي كَارِهاً، وَمِنْهُمُ
[١]. «وَلَداً» ذكر البعض أنّ ولداً منصوب بوصفه عطف بيان، والبعض الآخر ذهب إلى أنّه بدل من ضمير المفعول في «نحتسبه»، ولكن لا يمكن أن يكون مفعولًا ثانياً لنحتسب، لأنّ معنى الجملة سيتبدل.
[٢]. «كَادِح»، وهو الشخص الذي يبذل الكثير من الجهد والسعي، وأصلها من «كدح» على وزن «مدح» بمعنى السعي الحثيث والعمل الجاد.
[٣]. وامّ محمّد أسماء بنت عميس الخثعمية وهي اخت ميمونة زوج النّبي صلى الله عليه و آله، وأخُت لبابة ام الفضل وعبداللَّه زوج العباس بن عبدالمطلب، وكانت من المهاجرات ا لى أرض الحبشة، وهي إذ ذاك تحت جعفر بن أبي طالب فولدت له هناك محمّد بن جعفر، عبداللَّه، عوناً، ثمّ هاجرت المدينة، فلمّا قتل جعفر تزوجها أبوبكر، فولدت له محمّد بن أبي بكر هذا، ثمّ مات أبوبكر فتزوجها الإمام علي عليه السلام وولدت له يحيى بن علي ولا خلاف في ذلك. (شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج ١٦، ص ١٤٢).
[٤]. «حَثَثْتُ» بمعنى التشويق والإثارة.
[٥]. «الْوَقْعَةِ»، الحادثة، وأحياناً تأتي بمعنى وقوع الحرب والقتال، وهنا قصد منها المعنى الثاني.
[٦]. «عَوْداً» و «بِدأً» تعني كما ورد في بعض كتب اللغة أولًا وآخراً، وفي بعضها بمعنى تكرار الشيء، وهنا يحتمل فيها كلا المعنيين.