نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥٦ - قصّة فدك المحزنة
تسأل البينّة، قال: إيّاك كنت أسأل البيّنة، قال: فما بال فاطمة سألتها البيّنة على ما في يدها وقد ملكته في حياة رسول اللَّه صلى الله عليه و آله وبعده، ولم تسأل المسلمين البيّنة على ما ادعوها شهوداً كما سألتني في ما ادّعيت عليهم، فسكت أبوبكر [١].
وكان عمر بن الخطاب حاضراً في المجلس ورأى سكوت أبي بكر وأنّ سكوته ربّما ينتهي بضررهما، فقال:
«يَا عَلِيُّ دَعْنَا مِنْ كَلَامِكَ، فَإِنَّا لَانَقْوَى عَلَى حُجَّتِكَ، فَإِنْ أَتَيْتَ بِشُهُودٍ عُدُولٍ، وَإِلَّا فَهُوَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، لَاحَقَّ لَكَ وَلَا لِفَاطِمَةَ فِيه» [٢].
وهذه الحادثة التاريخيّة فيها الكثير من التعقيدات والتفاصيل وجميع الشواهد تشير إلى أنّ الخيلفة في ذلك الوقت كان قد عزم على الاستيلاء على هذا المنبع الاقتصادي وغضبها من أهل البيت عليهم السلام لئلا يكون سبباً لتقوية موقفهم واقتدارهم، وقد ورد في حديث عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال:
«لَمَّا وُلِّيَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ قَالَ لَهُ عُمَرُ إِنَّ النَّاسَ عَبِيدُ هَذِهِ الدُّنْيَا لَايُرِيدُونَ غَيْرَهَا، فَامْنَعْ عَنْ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ الْخُمُسَ، وَالْفَيْءَ، وَفَدَكاً، فَإِنَّ شِيعَتَهُ إِذَا عَلِمُوا ذَلِكَ تَرَكُوا عَلِيّاً وَأَقْبَلُوا إِلَيْكَ» [٣].
وعلى أيّة حال فإنّ مركز الخلافة في ذلك الوقت أخذ فدكاً من فاطمة الزهراء عليها السلام لمجرّد عدم الدليل على مالكية الزهراء لفدك، ولو كان هناك دليل فينحصر في ميراثها من النّبي صلى الله عليه و آله في حين أنّ النّبي قال:
«نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُوَرِّثُ وَمَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ»
وهكذا تمّ انتزاع فدك من فاطمة عليها السلام.
في حين أنّ هذا الحديث وبهذه الصورة موضوع بلا شك والصحيح هو ما ورد في أحاديث أهل السنّة وأهل البيت عليهم السلام:
«أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُورِثُوا دِينَاراً وَلَا دِرْهَماً وَإِنَّمَا وَرَّثُوا العِلْمَ فَمَنْ أَخَذَ بِهِ اخَذَ بِحَظِّهِ» [٤]
وهو كناية عن أنّ الأموال التي تركها الأنبياء لذويهم لا تعتبر ذات قيمة بالنسبة لميراثهم العلمي.
[١]. بحار الأنوار، ج ٢٩، ص ١٢٩.
[٢]. الاحتجاج، للطبرسي، ج ١، ص ٩٢.
[٣]. بحار الأنوار، ج ٢٩، ص ١٩٤.
[٤]. سنن الدارمي، ج ١، ص ٩٨؛ سنن ابن ماجة، ج ١، ص ٨١، ح ٢٢٣؛ الكافي، ج ١، ص ٣٢، ح ٢.