نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٤ - الشرح والتفسير إحذر من أغوائهم!
وَيَسْتَفِلُ [١] غَرْبَكَ [٢]، فَاحْذَرْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ الشَّيْطَانُ».
ويستفاد من هذه العبارات وعبارات أخرى وردت في الرسائل السابقة، أنّ جواسيس الإمام عليه السلام كانوا ينتشرون في جميع البلاد الإسلاميّة، حتى أنّهم كانوا يصلون إليه الرسائل الخاصّة التي تصل إلى ولاته من قِبل الأعداء، ليستطيع الإمام التصدي للخطر في الوقت المناسب، ونرى أنّ الإمام عليه السلام في مطلع هذه الرسالة يحذّر زياد بن أبيه من شيطنة معاوية وأن يتخذ جانب الحيطة والحذر من مكره ودسائسه.
ثمّ يضيف في توضيح ذلك:
«يَأْتِي الْمَرْءَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، لِيَقْتَحِمَ [٣] غَفْلَتَهُ، وَيَسْتَلِبَ [٤] غِرَّتَهُ [٥]».
وهذا الكلام للإمام عليه السلام مقتبس من الآية الشريفة ١٧ من سورة الأعراف حيث تتحدّث عن قول الشيطان: «ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْديهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرينَ».
والمقصود أنّ الشيطان يستخدم كلّ وسيلة لخداع الناس وإغوائهم، فأحياناً يستخدم آلية التطميع أو أخرى التهديد وثالثة الشهوات والأهواء والنوازع النفسانيّة، ورابعة عن طريق الآمال والتمنيات والمناصب والمقامات الموهومة والعناوين البراقة، والغاية من كلّ ذلك تنحصر بأمر واحد، ألا وهو إغواء الإنسان وسوقه في متاهات الضلالة والهلكة.
وقد استخدم شيطانِ الشام هذا الاسلوب أيضاً وسعى إلى خداع الناس كلّ بحسب طريقته الخاصّة لجذبهم إليه والاستفادة منه في مسار تحقيق مطالبه وشهواته.
وينقل عن أحد العرفاء أنّه قال: ما من صباح إلّاقعد لي الشيطان على أربعة
[١]. «يَسْتَفِلُّ» من مادة «فَلل» على وزن «قمر» بمعنى كسر الشيء أو التقليل من حدّة السكين.
[٢]. «غَرْب» بمعنى النشاط، وكذلك التصميم.
[٣]. «لِيَقْتَحِم» من مادة «اقتِحام» بمعنى إدخال الشيء بالقوّة في شيء آخر.
[٤]. «يَسْتَلِب» من مادة «استِلابة» بمعنى النهب والغارة والسرقة، وأصلها من «سلب».
[٥]. «غِرّة» بمعنى الغفلة والتساهل.