نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٩٤
الإمام عليه السلام أنّ مثل هؤلاء الأشخاص ليسوا جديرين بمنصب القضاء بين المسلمين حتى لو توفرت فيهم الصفات الأخرى.
ثمّ إنّ الإمام عليه السلام بعد أن ذكر هذه الصفات الإثني عشر، التي كلّ واحدة منها أهم من الأخرى، يتوجه نحو القضاة الذين يستطيعون، عند مواجهة أعقد المسائل وأصعب الملفات، من تشخيص الحقّ من الباطل بكل شجاعة وفطنة ويحكمون وفق ما توفر لديهم من أدلّة وشواهد ويعيد الحقّ إلى صاحبه حتى لو كان من أضعف الأفراد في المجتمع، وكان مخالفه من أقوى الأفراد، وطبعاً كما قال الإمام عليه السلام في نهاية حديثه عن هذه الصفات:
«وَأُولَئِكَ قَلِيلٌ».
ولكن المهم للوالي أن يدرس جميع جوانب المسألة بصبر وأناة وللعثور على هذا القليل ممَن تتوفر فيهم هذه الشروط من بين المرشحين لهذا المنصب ووضعه على كرسي القضاء بين المسلمين.
وبعد أن ذكر الإمام عليه السلام خصوصيات وصفات القاضي اللائق، تحدّث عن وظائف الوالي في مقابل هؤلاء القضاة ويأمره بثلاثة أوامر مهمّة جدّاً.
بداية يقول عليه السلام:
«ثُمَّ أَكْثِرْ تَعَاهُدَ [١] قَضَائِهِ»
، وهذه إشارة أنّه مهما كان هؤلاء القضاة واجدين لهذه الصفات ومورد الاعتماد، فمع ذلك وبما أنّ مسألة القضاء مهمّة جدّاً وربّما يبتلي القاضي بالخطأ والزيف أو الانحراف، فمن الضروري أن ترسل بعض المفتشين ليحققوا في الأحكام القضائيّة الصادرة عنهم، أو تتولى هذه المسألة بنفسه وتحقق عن كثب في بعض الأحكام القضائيّة لهم، ومثل هذا العمل يمنح القاضي قوّة في التزامه الواعي بقيم العدالة.
طبعاً فإنّ هذا الكلام لا يعني وجود مسألة الاستئناف والتمييز في نظام القضاء الإسلامي بل بمعنى أنّ الوالي لو عثر على خطأ مسلّم في الحكم وجب عليه ابطاله وتجري إعادة التحقيق مرّة أخرى.
[١]. «تَعَاهَدْ» بمعنى التحقيق والدراسة وقد ورد ذكر هذه المفردة فيما سبقها من الصفحات.