نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٤ - الشرح والتفسير الأواصر بين الطبقات الاجتماعيّة
فئات اجتماعيّة قطعاً، وسبق أن أشار إليها الإمام عليه السلام في كلامه، وفي هذا المورد أيضاً، ذكر الإمام عليه السلام وظيفة وبرنامج كلّ واحدة منها، بالرغم من وجود الارتباط القريب والوثيق بينها، ومن هنا ذكرت هذه الفئات بوصفها صنف ثالث.
وربّما يطرح هذا السؤال نفسه، وهو أنّ الإمام عليه السلام سبق وأن أشار إلى صنفين، وطرح مسألة جمع الخراج بوصفها الصنف الثاني فكيف يكون العمّال هنا واحدة من الفئات الثلاثة التي يتشكل منها الصنف الثالث؟
والجواب على هذا السؤال أنّ الإمام عليه السلام كان يتحدّث في بداية كلامه عن الجيش والمزارعين الذين يزرعون الأراضي الخراجيّة ويدفعون الخراج إلى الحكومة، ولكنّه في هذا المورد يتحدّث عن عمّال الدولة، أي الولاة والمحافظين الذين يقع على عاتق أمر الإشراف على جمع الخراج ويتصدى موظفيهم لجمعه.
والجدير بالذكر أنّ العمّال جمع «عامل» وردت في كلمات الإمام عليه السلام كرات عديدة ويراد بها منصب المحافظ والقائم مقام وغير ناظر إلى ما ورد في القرآن الكريم في مورد الزكاة من قوله:
«عامِلينَ عَلَيْها»
أي المأمورون على جمع الزكاة.
والتعبير ب
«خَوَاصِّ الْأُمُورِ وَعَوَامِّهَا»
إشارة إلى أنّ عمل الكتّاب تارة يتحدد في إثبات وضبط المسائل السرّيّة، وأخرى يرتبط بإثبات النفقات والموارد الماليّة الاعتيادية، فهؤلاء يتولون وظيفة حفظ الاسناد والوثائق وترتبيها، وكذلك حساب النفقات والواردات.
ثمّ يبيّن الإمام عليه السلام إرتباط فئة أخرى مع الأصناف السابقة ويقول:
«وَلَا قِوَامَ لَهُمْ جَمِيعاً إِلَّا بِالتُّجَّارِ وَذَوِي الصِّنَاعَاتِ، فِيمَا يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ مِنْ مَرَافِقِهِمْ [١]، وَيُقِيمُونَهُ
مِنْ أَسْوَاقِهِمْ وَيَكْفُونَهُمْ مِنَ التَّرَفُّقِ [٢] بِأَيْدِيهِمْ مَا لَايَبْلُغُهُ رِفْقُ غَيْرِهِمْ».
[١]. «مَرافِق» جمع «مرفق» على وزن «مسجد» وكذلك جمع «مرفق» على وزن «محور» ويعني الأمور التي ينتفعبها الإنسان.
[٢]. «التَّرَفُّق» يعني الاستفادة والانتفاع من الشيء، وجملة (ما لايَبْلُغُهُ رِفْقُ غَيْرِهِمْ) إشارة إلى أنّ اللَّه تعالى قد خلق للإنسان قابليات وملكات مواقع اجتماعيّة مختلفة، فكثير من الأعمال التي يستطيع البعض القيام بها لا يستطيع البعض الآخر، وهذه هي طبيعة الحياة الاجتماعيّة، بحيث إنّ كلّ شخص يشتغل بعمل ينسجم مع استعداده وطاقاته، والآخرون ينتفعون من عمله وينتفع بدوره من أعمالهم وطاقاتهم.