نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨١ - خمسون نكتة مهمّة في عهد واحد
جاءكم فاسق ..» حيث أطلق عليه القرآن وصف الفاسق) وكان حاضراً عند معاوية وقد رأى اعجابه به، فقال لمعاوية: مر بهذه الأحاديث أن تحرق. فقال معاوية: مه، لا رأي لك! فقال الوليد: أفمن الرأي أن يعلم الناس إنّ أحاديث أبي تراب عندك تتعلم منها! فقال معاوية: ويحك أتأمرني أن أحرِق علماً مثل هذا! واللَّه ما سمعت بعلم هو أجمع منه ولا أحكم. فقال الوليد: إن كنت تعجب من عمله وقضائه فعلام تقاتله؟ فقال: لولا أنّ أبا تراب قتل عثمان ثمّ أفتانا لأخذنا عنه. ثمّ سكت هينهة، ثمّ نظر إلى جلسائه وقال: إنّا لا نقول: إنّ هذه من كتب علي بن أبي طالب، ولكن نقول:
هذه من كتب أبي بكر الصديق كانت عند ابنه محمّد، فنحن نظر فيها، ونأخذ منها.
قال: فلم تزل تلك الكتب في خزائن بني اميّة حتى ولي عمر بن عبدالعزيز، فهو الذي أظهر أنّها من أحاديث علي بن أبي طالب عليه السلام.
والجدير بالذكر أنّ ابن أبي الحديد بعد أن نقل هذا الكلام عن صاحب «الغارات» يقول: «الأليق أن يكون الذي كان معاوية ينظر فيه ويعجب منه، ويفتي به ويقضي بقضاياه وأحكامه هو عهد الإمام علي عليه السلام إلى الأشتر، فإنّه نسيج وحده، ومنه تعلّم الناس الآداب والقضايا والأحكام والسياسة (والحال أن كتاب الإمام عليه السلام لمحمّد بن أبي بكر يتضمّن مجموعة من المسائل الأخلاقية) وهذا العهد صار إلى معاوية لما سمّ الأشتر ومات قبل وصوله إلى مصر، فكان ينظر فيه ويعجب منه، وحقيق مثله (يعني الكتاب العهدي) أن يقتنى في خزائن الملوك» [١].
وعلى ضوء ذلك فإنّ ابن أبي الحديد يعتقد بأنّ هذه الرسالة التاريخيّة الفريدة، التي كان معاوية يستفيد منها ولم يظهر ذلك لأحد وبعده انكشف الستار عنها بواسطة عمر بن عبدالعزيز، هي ما نحن بصدده من عهد أميرالمؤمنين عليه السلام لمالك الأشتر.
ونحن بدورنا نؤيد نظر ابن أبي الحديد بصورة كاملة، لأنّ القرائن والشواهد المختلفة تشهد على هذا المعنى.
[١]. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج ٦، ص ٧٢ و ٧٣.