نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨ - الشرح والتفسير راقب أوضاع مكّة بدقّة
والاختلاف بين المسلمين لا ينالون في نهاية المطاف سوى الشر والفساد وسوف تصل إليهم وإلى زعيمهم هذه النار وتحرقهم.
ثمّ يخاطب الإمام عليه السلام قثم بن العباس ويقول:
«فَأَقِمْ عَلَى مَا فِي يَدَيْكَ قِيَامَ الْحَازِمِ الصَّلِيبِ [١]، وَالنَّاصِحِ اللَّبِيبِ [٢]، وَالتَّابِعِ لِسُلْطَانِهِ، الْمُطِيعِ لِإِمَامِهِ».
وبهذه الطريقة يثير فيه الإمام عليه السلام العزيمة والروحية وتقوية الإرادة لأداء المهمّة الملقاة على عاتقه في مقابل مؤامرات معاوية وأتباعه من أهل الشام ويؤكّد له ضمناً أنّه مشرف وناظر لأعماله.
وبهذا البيان الموجز والعميق في محتواه يبيّن الإمام عليه السلام شروط القائد الموفق والوالي الناجح، كسعة آفاق التفكير، الاستقامة والصمود في مقابل الحوادث والتحديات، وحبّ الخير للناس، والإطاعة لإمامه ومقتداه وإمتثال أوامره، ومعلوم أنّ هذه الشروط إذا توفرت في كلّ مدير أو قائد فسوف يكون مُوفّقاً في عمله وإدارته وباستطاعته مواجهة مؤامرات الأعداء وإحباطها.
ثمّ إنّ الإمام عليه السلام في ختام هذه الرسالة يذكر تحذيراً آخر لعامله ويقول:
«وَإِيَّاكَ وَمَا يُعْتَذَرُ مِنْهُ، وَلَا تَكُنْ عِنْدَ النَّعْمَاءِ بَطِراً [٣]، وَلَا عِنْدَ الْبَأْسَاءِ فَشِلًا [٤]، وَالسَّلَامُ».
ثمّة مثل معروف متداول بين الناس يقولون: «إنّ الاعتذار لا يعيد ماء الوجه للإنسان» فصحيح أنّ الإنسان ينبغي أن يعتذر للطرف المقابل من خطئه وما صدر منه من خطيئة وزلة، ولكن يجب الالتفات إلى أنّ هذا الإعتذار لا يعيد مكانة الإنسان إلى سابق عهدها، فالأفضل أن يعيش الإنسان الانتباه والحذر لئلا يضطر
[١]. «الصَّلِيب» من مادة «صلب» على وزن «صبح» الشدّة والصلابة في كلّ شيء، وإنّما يقال للصليب «صليب» لأنّة يستخدم في صنعه أخشاب صلبة لتعليق المصلوب.
[٢]. «اللَّبِيبِ» هو صاحب العقل والفهم، وأصلها من «لُب» وتعني الدماغ والمخ.
[٣]. «بَطَرَ» هو الشخص الغارق في النعمة، وأصلها من «بطَرْ» على وزن «نظَر».
[٤]. «فَشِلَ» وهو الشخص الكسول والضعيف وأصلها من «فشل» على وزن «نظر» يعني الضعف والاستكانة أو الضعف المقترن بالخوف.