نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٧١ - الشرح والتفسير أيّتها الدنيا ابتعدي عنّي!
السالفة الذين تورطوا في دوامة البلايا والعذاب بسبب غفلتهم وغرورهم وكان مصيرهم الهلاك وقد دفنوا هم وثرواتهم تحت الأنقاظ، فنقرأ في الآيات القرآنيّة قوله تعالى: «لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبابِ» [١].
ويقول تعالى في مورد آخر: «كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ* وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَريمٍ* وَنَعْمَةٍ كانُوا فيها فاكِهينَ* كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرينَ* فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرينَ» [٢].
ثمّ يواصل الإمام عليه السلام كلامه بطرح تشبيهات أخرى لحال الأشخاص الذين خدعوا بالدنيا والأشخاص الذين تخلصوا من شراكها وأفلتوا من حبالها، ويقول:
«هَيْهَاتَ! مَنْ وَطِئَ دَحْضَكِ [٣] زَلِقَ [٤]، وَمَنْ رَكِبَ لُجَجَكِ [٥] غَرِقَ، وَمَنِ ازْوَرَّ [٦] عَنْ
حَبَائِلِكِ وُفِّقَ، وَالسَّالِمُ مِنْكِ لَايُبَالِي إِنْ ضَاقَ بِهِ مُنَاخُهُ [٧]، وَالدُّنْيَا عِنْدَهُ كَيَوْمٍ حَانَ
انْسِلَاخُهُ».
في هذا المقطع الكلام النوراني للإمام عليه السلام يشبّه المواهب المادية في الدنيا بثلاثة أمور، بداية يتحدّث عن المزالق التي تواجه الإنسان في كلّ زمان واحتمال سقوطه في هذه المزالق، وهي المقامات الدنيويّة والثروات المادية والشهوات النفسانيّة، فلو أنّ الإنسان غفل قليلًا عن هذه الأمور فإنّه سيتلوث بالحرام ويقع أسيراً في شراك الأهواء والنوازع النفسانيّة.
والآخر، أنّ الإمام عليه السلام يشبّه الدنيا بالبحر المواج الذي يصعب جدّاً عبوره بسلام، والكثير من الأحايين تكون أمواج الأهواء والشهوات إلى درجة من الشدّة والتلاطم بحيث إنّها تبتلع الإنسان وتغرقه في دوامتها.
[١]. سورة يوسف، الآية ١١١.
[٢]. سورة الدخان، الآيات ٢٥- ٢٩.
[٣]. «دحض» بعني منزلق.
[٤]. «زلق» من مادة «زلق» على وزن «دلق» بمعنى التزحلق.
[٥]. «لجج» جمع «لجة» على وزن «حجّة» بمعنى القسم العظيم المتلاطم من البحر.
[٦]. «ازورّ» من مادة «ازورار» بمعنى الجنوح والانحراف من شيء، وهو من مادة «الزيارة».
[٧]. «مناخ» في الأصل بمعنى المحل الذي يبرك فيه الإبل، ثمّ اطلقت على كلّ محل للإستقرار.