نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٧ - الشرح والتفسير راقب أوضاع مكّة بدقّة
وَيُطِيعُونَ الَمخْلُوقَ فِي مَعْصِيةِ الْخَالِقِ، وَيَحْتَلِبُونَ [١] الدُّنْيَا دَرَّهَا [٢] بِالدِّينِ، وَيَشْتَرُونَ
عَاجِلَهَا بِآجِلِ الْأَبْرَارِ الْمُتَّقِينَ».
وبديهي أنّ الأشخاص الذين يعيشون العمي في القلب، والصمم في الأسماع لا ينتبهون إلى هذه الأمور ومن أجل التمويه على الناس يخلطون الحقّ بالباطل، ومن أجل كسب رضا المخلوق ونيل الجوائز والعطايا لا يطيعون أمر اللَّه ولا يمتثلون لتعاليمه، ومن أجل تحصيل متاع الدنيا يبيعون رأسمالهم الديني، هؤلاء الذين بلغ العمش في بصيرتهم إلى درجة أنّهم لا يرون سوى دنياهم الفانيّة والملذات الرخيصة ويغفلون عن الآخرة وما فيها من المواهب المعنويّة والماديّة العظيمة والأبديّة، ولهذا السبب لا يعيرون أهمّية للآخرة ويبيعونها بأبخس الأثمان من أمور الدنيا.
وبديهي أنّ معاوية لا يختار أبداً الأشخاص الذين يملكون بعض الإيمان ولهم سابقة في الإسلام لهذه لأعمال الشنيعة، بل يبحث عن الأشخاص الذين لا يملكون ذرة من الإيمان أو العقل أو الوجدان، فهم عبيد وغلمان وضعوا أرواحهم فوق أكفّهم سمعاً وطاعة لأوامر السلطان، وهذا هو منهج جميع حكّام الجور وقوى الاستكبار والهيمنة.
ثمّ إنّ الإمام عليه السلام أشار إلى هذه الحقيقة، وهي أنّ كلّ إنسان يعمل الخير أو يقترف المنكر فسوف يثاب ويعاقب حسب عمله، يقول:
«وَلَنْ يَفُوزَ بِالْخَيْرِ إِلَّا عَامِلُهُ، وَلَا يُجْزَى جَزَاءَ الشَّرِّ إِلَّا فَاعِلُهُ».
وهذا المفهوم مقتبس من الآيات الشريفة قال تعالى: «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه* وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه» [٣].
وهو إشارة إلى أنّ هؤلاء عندما يتحركون في خط خلق الفتنة وإيجاد المفسدة
[١]. «يَحْتَلِبُونَ» من مادة «حَلَبَ» على وزن «حَمَدَ» بمعنى اخراج اللبن من الضرع.
[٢]. «دَرَّ» بمعنى اللبن أو اللبن الكثير، وبمعناها المصدري تعني هطول المطر أو السوائل الأخرى.
[٣]. سورة الزلزلة، الآيتان ٧ و ٨.