نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦٠ - الشرح والتفسير لست كالبهيمة المربوطة!
مِنْ أَعْلَافِهَا، وَتَلْهُو عَمَّا يُرَادُ بِهَا».
والحقّ أنّ بعض الناس في هذا العالم يعيشون كما تعيش الدواب والحيوانات، فجماعة تعيش الترف والثراء ولا تشعر بحياة الفضيلة فأقصى همهم في الحياة هو الطعام الكثير واللذيد، وبعضهم من الطبقة الفقيرة ولكنّهم يتحركون في طلب الدنيا ويبحثون عن الملذات الرخيصة فهم كالحيوانات المرسلة في المرتع تبحث عن العلف، ومن المعلوم أنّ كلا هاتين الطائفتين مذمومتين رغم أنّ أحدهما أشنع من الأخرى، والعجب أنّ كلا هاتين الطائفتين من الحيوانات لا تعلم بمصيرها وأنّها سوف ترسل غداً إلى المذبح ويستفاد من لحومها أو يستفاد من ظهورها للحمل والركوب، أو تصطاد من قِبل الحيوانات المفترسة.
ثمّ يشير الإمام عليه السلام إلى النقطة الثانية:
«أَوْ أُتْرَكَ سُدًى [١] أَوْ أُهْمَلَ عَابِثاً، أَوْ أَجُرَّ حَبْلَ
الضَّلَالَةِ، أَوْ أَعْتَسِفَ [٢] طَرِيقَ الْمَتَاهَةِ! [٣]».
في هذا المقطع من الرسالة يتحدّث الإمام عليه السلام عمّا يتصل بالغرض من خلق الإنسان وينفي عنه خمسة أمور: الأوّل: أن يكون حال الإنسان حال سائر الحيوانات السائبة أو المعلوفة التي همها علفها.
والآخر: أن لا يكون هناك أي غرض من خلقه ويترك لحاله.
والثالث: أن يكون الغرض من خلقه اللعب واللهو.
والرابع: أن يكون سبباً لإضلال الآخرين وإغوائهم.
والخامس: أن يتحرك الإنسان نفسه في وداي الحيرة والضلالة، وعندما تنتفي جميع هذه الأمور الخمسة، نستنتج أنّ الإنسان خلق لغاية سامية وهدف مهم وليس
[١]. «سدى» بمعنى الباطل وعدم الفائدة.
[٢]. «اعتسف» من مادة «اعتساف» بمعنى أداء العمل بدون فكر وهداية وإرادة، وتعني الانحراف عن الجادة أيضاً.
[٣]. «المتاهة» اسم مكان من مادة «تيه» بمعنى الحيرة والضلالة.