نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤٦ - الشرح والتفسير لم أدّخر من الدنيا شيئاً لنفسي
والقصور، يقول الإمام عليه السلام: إنني لم أتوجه في حياتي إلى أيّ من هذه الأمور الأربعة (في حين أنّ بإمكاني ذلك).
والعبارة الأخيرة في هذه الرسالة تعكس غاية التواضع والزهد لدى الإمام عليه السلام، بأن يلفت نظر مخاطبه أو مخاطبيه لهذه المسألة المهمّة، وهي أن لا يتلوثوا بالحياة المترفة لطبقة الأشراف بل يعيشون حالة المواساة للمحرومين والمعوزين وينخرطون في معيشتهم وحياتهم مع هذه الطبقة المحرومة من المجتمع.
«أَتَانٍ دَبِرَةٍ»
، تطلق على الدواب التي جرح ظهرها من كثرة الأحمال والعمل الشاق، ولهذا السبب لا تأكل كما ينبغي وتفتقد شهيتها للطعام (والجدير بالذكر أنّ بعض نسخ نهج البلاغة لم ترد فيها هذه الجملة والجملة التي بعدها ولم يذكرها الشرّاح في شروحهم لنهج البلاغة).
وفي ختام هذا المقطع من الرسالة يتحدّث الإمام عليه السلام عن عدم اهتمامه بالدنيا وأنّها في نظره ليست ذات قيمة إطلاقاً ويقول بمضمون عميق:
«وَلَهِيَ فِي عَيْنِي أَوْهَى وَأَوْهَنُ مِنْ عَفْصَةٍ [١] مَقِرَةٍ [٢]».
وتوضيح ذلك أنّ لشجرة البلوط أنواع وأقسام، إحداها أنّها تثمر ثمرة مُرّة ومضافاً إلى مرورتها فإنّها قاسية وصلبة، وبسبب قساوتها يستخدمها الدباغون في دباغة الجلود.
وبديهي أن تناول مثل هذه الثمرة المرّة والقاسية غير مستساغ أبداً ومن يضعها في فمه يضطر للفظها فوراً، وهذا التشبيه يعدّ من أقوى وأبلغ تشبيهات نهج البلاغة عن حال الدنيا، حيث إنّ الإمام عليه السلام جسد باطن وحقيقة الدنيا في قالب هذا المثال، وتأتي لاحقاً مثل هذه العبارات في نهج البلاغة.
[١]. «عفصة» تارة تطلق على شجرة البلوط، وأخرى عل ثمرتها، وهذه المادة يترشح منها سائل أبيض ومضافاً إلى مرارته فإنّه قابض.
[٢]. «مقر» تارة تأتي بمعنى المر، وأخرى بمعنى الحامض، وفي هذا المورد جاءت بمعنى الأوّل، وهي تأكيد على مفهوم «عفصة».