نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤٤ - الشرح والتفسير لم أدّخر من الدنيا شيئاً لنفسي
بِقُرْصَيْهِ [١]».
المشهور أنّ هذين الثوبين كانا من الكرباس والقرصين من خبز الشعير، وهما يشكلان طعام الإمام عليه السلام اليومي، وقرص واحد لوجبة الظهر والآخر للعشاء، وهذا في الحقيقة اقتداء برسول اللَّه صلى الله عليه و آله الذي يقتدي به الإمام علي عليه السلام، كما في ورد في الحديث الشريف:
«إنَّ رَسُولَ اللَّه مَا اتَّخَذَ قَميصَين وَلَا إِزَارَيْن وَلَا زَوْجَيْنِ مِنَ النِّعَالِ» [٢].
خلافاً لأهل الدنيا والمترفين من الناس، الذين يملكون أحياناً عشرات الأنواع من الألبسة والأحذية، بل إنّ بعضهم لا يلبسون لباساً فاخراً لأكثر من مرّة أو بعض المرات ثمّ يتركوه جانباً، وأحياناً نراهم ينقلون من صناديق والحقائب المليئة بالملابس من مكان لآخر عند انتقالهم من منازلهم، وأمّا موائدهم الملونة فحدّث عنها ولا حرج.
وبما أنّ الإمام عليه السلام كان يعلم أنّ من النادر أن يستطيع أي إنسان أن يعيش مثل هذه الحياة الصعبة ويرضى بشظف العيش وخاصّة فيما لو كان من كبار المسؤولين وأصحاب المناصب الذين يملكون الإمكانات الكثيرة فإنّه يتعرض لهذه النقطة بالذات ويقول:
«أَلَا وَإِنَّكُمْ لَاتَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَكِنْ أَعِينُونِي بِوَرَعٍ وَاجْتِهَادٍ، وَعِفَّةٍ وَسَدَادٍ».
وهذه إشارة إلى أنّه لا يتوجب عليكم أن تعيشوا مثل هذه الحياة الصعبة وحالات الزهد الشديد، ولكن لا ينبغي أن تغفلوا عن أربع نقاط، وبذلك تعينونني في أمر الحكومة وإدارة هذه البلاد الإسلاميّة الواسعة.
[١]. «قُرص» في الأصل بمعنى الشيء المدور، ولذلك يطلق على الشمس والقمر والخبز المدور فيقال قرص الخبز أو قرص الشمس، والتثنية في عبارة الإمام عليه السلام إشارة إلى طعام يوم واحد، لأنّ كثير من الناس في ذلك الزمان يتناولون الطعام في اليوم والليلة مرّتين.
[٢]. في ظلال نهج البلاغة، ج ٤، ص ١٦.