بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٨٠ - في الرد على القدرية
٤٣ ـ فقال : ( ثانيَ عِطْفهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ لَهُ فِي الدُّنيا خِزْيٌ ) [١] يعني القتل يوم بدر ( ونُذِيقُهُ يَومَ القِيامَةِ عَذابَ الحَرِيقِ ) [٢] فانظروا إلى ما أرادكم فيه رأيكم كتاباً سبق في علمه بشقائكم إن لم يرحمكم.
٤٤ ـ ثمّ قول رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهوسلم : « بني الإسلام على ثلاثة أعمال : الجهاد ماض منذ يوم بعث اللّه رسوله إلى يوم تقوم فيه عصابة من المؤمنين يقاتلون الدجّال لا ينقض ذلك جور جائر ولا عدل عادل ، والثانية : أهل التوحيد لا تكفروهم بذنب ولا تشهدوا عليهم بشرك ولا تخرجوهم من الإسلام بعمل ، والثالثة : المقادير كلّها خيرها وشرها من قدر اللّه ». فنقضتم من الإسلام جهاده ، وجرّدتم شهادتكم على أُمّتكم بالكفر وبرئتم منهم ببدعتكم ، وكذبتم بالمقادير كلّها والآجال والأعمال والأرزاق ، فما بقيت في أيديكم خصلة بني الإسلام عليها إلاّنقضتموها وخرجتم منها.
* * *
هذه رسالة عمر بن عبد العزيز إلى بعض القدريين مجهولي الهوية ، وقد نسب إليهم إنكار علمه الأزلي في أفعال العباد ، ومصائرهم ، ونحن نتبرّأ ممّن ينكر علمه الوسيع المحيط بكلّ شيء ، ونؤمن بما قاله سبحانه : ( وَلا رَطْب وَلا يابس إِلاّ في كِتاب مُبِين ). [٣] وقوله سبحانه : ( ما أَصابَ مِنْ مُصيبَة فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلاّ فِي كتاب من قَبلِ أَنْ نَبرَأَها إِنَّ ذلكَ عَلى اللّهِ يَسير ). [٤]
ولكن نتبرّأ من كلّ من جعل علمه السابق ذريعة إلى نسبة الجبر إلى اللّه سبحانه ، ونؤمن بأنّ علمه السابق المحيط لا يكون مصدراً لكون العباد مجبورين في مصائرهم وأنّهم يعملون ويفعلون ، ويختارون بمشيئتهم التي منحها اللّه لهم في حياتهم ، ليهلك من هلك عن بيّنة ، ويحيا من حيّ عن بيّنة.
[١] سورة الحج : الاية ٩.
[٢] سورة الحج : الاية ٩.
[٣] سورة الأنعام : الاية ٥٩.
[٤] سورة الحديد : الاية ٢٢.