بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٨٥ - عن نظرية الاختيار
اللّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ ويَهْدِي مَنْ يَشاءُ ) [١] ولِمَ لم ينظروا إلى ما قبل الآية وما بعدها ، ليبيّن لهم أنّه تعالى لا يضلّ إلاّ بتقدّم الكفر والفسق ، كقوله تعالى : ( ويُضِلُّ اللّهُ الظّالِمِينَ ) [٢]. وقوله : ( فَلَمّا زَاغُوا أزَاغَ اللّهُ قُلُوبَهُمْ ) [٣]. ( وما يُضِلُّ بهِ إِلاّ الفاسِقِين ) [٤].
وبين الحسن في كلامه الوعيد ، فقال : إنّه تعالى قال : ( أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذَابِ أَفأنتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النّارِ ) [٥]. وقال : ( كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الّذِيَن فَسَقُوا ). [٦] وقال تعالى : ( أُدْخُلُوا فِي السّلْمِ كَافَّة ) [٧]. فكيف يدعوهم إلى ذلك وقد حال بينهم وبينه؟ وقال : ( وَما أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول إِلاّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللّهِ ) [٨]. فكيف يجوز ذلك وقد منع خلقه من طاعته؟ قال : والقوم ينازعون في المشيئة وإنّما شاء اللّه الخير بمشيئته قال : ( يُريدُ اللّهُ بِكُُمُ اليُسْرَ وَلا يُريدُ بِكُمُ العُسرَ ) [٩]. وقال في ولد الزنى إنّه من خلق اللّه ، وإنّما الزاني وضع نطفته في غير حقّها ، فتعدّى أمر اللّه ، واللّه يخلق من ذلك ما يشاء وكذلك صاحب البذر إذا وضعه في غير حقّه. [١٠]
وقال في الرسالة : إنّ اللّه تعالى أعدل وأرحم من أن يعمي عبداً ، ثمّ يقول له : أبصر وإلاّ عذبتك ، وإذا خلق اللّه الشقي شقياً ، ولم يجعل له سبيلاً إلى السعادة فكيف يعذبه؟! وقد قال اللّه تعالى لآدم وحواء : ( فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ ) [١١]. فغلبهما الشيطان على هواه ثمّ قال : ( يا بَنِي
[١] سورة فاطر : الاية ٨.
[٢] سورة إبراهيم : الاية ٢٧.
[٣] سورة الصف : الاية ٥.
[٤] سورة البقرة : الاية ٢٦.
[٥] سورة الزمر : الاية ١٩.
[٦] سورة يونس : الاية ٣٣.
[٧] سورة البقرة : الاية ٢٠٨.
[٨] سورة النساء : الاية ٦٤.
[٩] سورة البقرة : الاية ١٨٥.
[١٠] كذا في النسخة والظاهر : حقله.
[١١] سورة الأعراف : الاية ١٩.