الموسوعة الفقهية - موسسه دائرة المعارف الفقه الاسلامي - الصفحة ٤٠٥
وأمّا الذين حجّوا مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فلم يعلم أنّ حجّهم حجّة الإسلام، ويحتمل أن يكون حجّهم حجّاً ندبيّاً وإن فرض أوّل سنتهم، فإنّ الحجّ يستحبّ للمتسكّع ولا يكون مسقطاً عن حجّة الإسلام، وأمّا ذكر الإمام عليه السلام هذه القضيّة فليس للاستشهاد وإنّما نقلها لمناسبة ما [١]).
واورد عليه بأنّ الظاهر أنّ كلمة (أطاق) يراد بها مجرّد الطاقة والقدرة، فإنّا نرى في كلمات الفقهاء- سيّما من كان منهم من أهل اللغة كالمحقّق النجفي- أنها تستعمل في ذلك، وذكر السيّد العاملي بأنّه اعترف الأصحاب في حقّ القريب بعدم اعتبار الراحلة له إذا أطاق المشي [٢]، ومن الواضح أنّ مرادهم مجرّد القدرة لا نهايتها وآخر مرتبتها، وعليه فالرواية ظاهرة في وجوب حجّة الإسلام إذا كان قادراً على المشي، كما أنّ الظاهر أنّ المراد هو المشي إلى الحجّ لا المشي في بلده وداره، فإنّه لا خصوصيّة له في الوجوب، بل الملاك هو سلامة البدن. ومنه يظهر أنّ تعرّض الإمام عليه السلام لحجّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كان بعنوان الاستشهاد لا لمجرّد المناسبة، وعليه فالرواية تدلّ على خلاف المشهور، ولا مجال للمناقشة فيها سنداً ودلالة [٣]).
ومنها: صحيحة محمّد بن مسلم- في حديث- قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: فإن عرض عليه الحجّ فاستحيى؟ قال: «هو ممّن يستطيع الحجّ، ولِمَ يستحيي؟! ولو على حمار أجدع أبتر»، قال: «فإن كان يستطيع أن يمشي بعضاً ويركب بعضاً فليفعل» [٤]).
فإنّ الإمام عليه السلام اعترض على الرجل بقوله: «ولِمَ يستحيي؟!» لاستحيائه وامتناعه من قبول ما عرض عليه، وعلى هذا فلو كانت الراحلة المعروضة عليه حماراً أجدع أبتر لوجب عليه القبول، فتتحقّق بذلك الاستطاعة التي هي شرط لوجوب الحجّ.
ويدلّ ذيل الرواية أيضاً على تحقّق الاستطاعة إذا كان الشخص قادراً على
[١] انظر: معتمد العروة (الحجّ) ١: ٨٢- ٨٣. المعتمد في شرح المناسك ٣: ٤٣.
[٢] المدارك ٧: ٣٧.
[٣] انظر: تفصيل الشريعة ١: ٨٤- ٨٥.
[٤] الوسائل ١١: ٤٠، ب ١٠ من وجوب الحجّ، ح ١.