الموسوعة الفقهية - موسسه دائرة المعارف الفقه الاسلامي - الصفحة ١٩٤
الثاني، وحيث إنّ كلّ واحد من اللحاظين حادث مسبوق بالعدم، فجريان الأصل في أحدهما معارض بجريانه في الآخر.
وثانياً: أنّ هذا الأصل غير جارٍ في نفسه؛ لأنّ عدم لحاظ الخصوصيّة لا يثبت الوضع للأعم إلّا على القول باعتبار الأصل المثبت، وكذا العكس [١]).
ويمكن أن يوجّه جريان الاستصحاب بأنّ المراد به استصحاب انطباق المفهوم على الموجود الخارجي، فالعذرة- مثلًا- إذا صارت فحماً يستصحب كون هذا الفحم الخاصّ عذرة، فإنّه قبل الفحميّة كانت العذريّة ثابتة له، فمع الشكّ فيها بعد الفحميّة تستصحب العذريّة فيحكم بالنجاسة لإحراز موضوعه تعبّداً.
إلّا أنّ هذا التوجيه غير وجيه؛ لأنّ الخصوصيّة لو كانت مأخوذةً في المعنى الموضوع له كانت مقوّمة للصدق والانطباق ودخيلة في موضوعه، بحيث إذا انتفت تلك الخصوصية انتفى الانطباق والاتّصاف لانتفاء موضوعه، فمع الشكّ في دخالة هذه الخصوصيّة في الموضوع له يحصل الشكّ عند انتفائها في بقاء معروض الانطباق، فلا يصحّ استصحاب الانطباق؛ لعدم العلم ببقاء موضوعه، فلا يحرز أنّه إبقاء للحالة السابقة، بل يمكن أن يكون إسراءً للمستصحب من موضوع إلى آخر [٢]).
وقد اتّضح إلى هنا أنّ الاستصحاب بأيّ نحو كان لا يجري في الشبهة المفهوميّة من الشكّ في الاستحالة، فالمرجع حينئذٍ قاعدة الطهارة.
وأمّا إن كان الشكّ بنحو الشبهة الموضوعيّة فالمرجع فيه أيضاً قاعدة الطهارة؛ إذ لا يجري فيه الاستصحاب لا الحكمي ولا الموضوعي، أمّا الحكمي- أي استصحاب النجاسة- فلأنّ الشكّ في الاستحالة وتبدّل الموضوع يوجب الشكّ في بقاء موضوع الحكم، ويشترط في جريان استصحاب الحكم إحراز بقاء الموضوع وعدم الشكّ فيه.
وأمّا الاستصحاب الموضوعي- أي استصحاب نفس العنوان الذي تعلّق به حكم النجاسة كعنوان الكلبيّة- فهو أيضاً غير جارٍ؛ لأنّ احتمال الاستحالة وتبدّل
[١] المحاضرات ١: ٢٤٢.
[٢] انظر: منتقى الاصول ١: ٣٤٥.