الموسوعة الفقهية - موسسه دائرة المعارف الفقه الاسلامي - الصفحة ٤٠٤
ومنشأ هذا الاختلاف اختلاف الروايات الواردة في المقام، وهي على طائفتين:
الاولى: الروايات التي يكون مقتضى إطلاقها اعتبار وجود الراحلة ولو مع عدم الحاجة إليها، كرواية الخثعمي ورواية هشام بن سالم ونحوهما من الروايات المتقدّمة.
الثانية: الروايات التي استظهر منها عدم اعتبار وجود الراحلة عند عدم الحاجة إليها:
منها: صحيحة معاوية بن عمّار، قال:
سألت أبا عبد اللَّه عليه السلام عن رجل عليه دين، أ عليه أن يحجّ؟ قال: «نعم، إنّ حجّة الإسلام واجبة على من أطاق المشي من المسلمين، ولقد كان من حجّ مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مشاة، ولقد مرّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم بكراع الغميم، فشكوا إليه الجهد والعناء، فقال: شدّوا ازركم واستبطنوا، ففعلوا ذلك فذهب عنهم» [١]).
ولكن ذهب بعض الفقهاء إلى أنّه لا يمكن الاستدلال بها للقول بعدم اعتبار الراحلة عند عدم الحاجة إليها؛ وذلك لأنّ المراد من الإطاقة في الرواية هو إعمال غاية الجهد والعناء، كما هو المراد من قوله تعالى: «وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ» [٢]، أي على الذين يتحمّلون الصوم بجهد وحرج شديد كالشيخ والشيخة، فإنّ الطاقة وإن كانت بمعنى القدرة ولكنّ المراد منها إذا كانت من باب الإفعال، إعمال الطاقة وبذل آخر مرتبة من القدرة، ولا ريب في عدم وجوب الحجّ في هذا المورد قطعاً، ولم يلتزم أحد من الفقهاء بوجوبه.
على أنّ الظاهر إنّ المراد بمن أطاق المشي، القدرة على المشي، في قبال المريض والمسجّى الذي لا يتمكّن من المشي أصلًا حتى في داره وبلده، فمن تمكّن من المشي وأطاقه بمعنى أنّه لم يكن مريضاً ولم يكن مسجّى وجب عليه الحجّ بالطرق المتعارفة لا مشياً على الأقدام.
فالرواية أجنبيّة عمّن يطيق المشي ويتمكّن منه بجهد ومشقّة.
[١] الوسائل ١١: ٤٣، ب ١١ من وجوب الحجّ، ح ١.
[٢] البقرة: ١٨٤.