الموسوعة الفقهية - موسسه دائرة المعارف الفقه الاسلامي - الصفحة ٢٣٥
يصدق على الإخبار بما لا يعتقد ولا يحرز مطابقته للواقع، فإنّ التقابل بين الكذب والصدق تقابل العدم والملكة [١]).
ولكن اورد عليه بأنّ المرجع في تعيين مفهوم الصدق والكذب هو العرف؛ لأنّ أدلّة حرمة الكذب كسائر الأدلّة والخطابات الشرعيّة ملقاة إلى عرف الناس، فالميزان في تعيين مفهوم موضوعات الأحكام الواردة في تلك الأدلّة هو ما يفهمه العرف، وظاهر عنوان الصدق عرفاً ولغةً هو مطابقة القول للواقع، كما أنّ ظاهر الكذب عرفاً ولغةً هو مخالفة القول للواقع، ولا يكون إحراز المطابقة وعدمها مأخوذاً في المفهوم العرفي منهما، فالصدق هو القول الموافق للواقع سواء احرز ذلك أو لا، كما أنّ الكذب هو القول المخالف للواقع سواء احرز ذلك أو لا، ويعبّر عن الصدق والكذب بهذا المعنى بالصدق والكذب الخبريّين، كما يعبّر عن الصدق والكذب المأخوذ فيه الإحراز وعدمه بالصدق والكذب المخبريّين.
ومن الواضح أنّ الصدق والكذب الخبريّين يتعلّق بهما الحكم العقلي والشرعي، خلافاً لما أفاده المحقّق الاصفهاني؛ وذلك لأنّ المخبر إذا أخبر بخبر كان مخالفاً للواقع فإنّه يصدق أنّه كذب وإن لم يحرز ذلك ويكون محكوماً بالقبح عقلًا، إلّا أنّه ليس قبحاً فاعليّاً بل قبحاً فعليّاً، وعليه فالكذب بهذا المعنى له حكم عقلًا وكذلك له حكم شرعاً؛ إذ ليست واقعة إلّا وهي محكومة بأحد الأحكام الخمسة، وكذا الأمر في الصدق فإنّه محكوم بحكم عقلي وشرعي.
وعليه، فلو أحرز المخبر مطابقة الخبر للواقع فأخبر فإنّه كما هو محكوم بالحسن الفعلي كذلك محكوم بالحسن الفاعلي، ولو أحرز عدم مطابقته فأخبر فإنّه محكوم بالقبح الفعلي والفاعلي معاً.
وبذلك يظهر عدم تماميّة ما أفاده المحقّق الاصفهاني من أنّ الصدق والكذب الخبريّين لا حكم لهما عقلًا ولا شرعاً، وكذا ما أفاده من أنّه إذا لم يحرز عدم مطابقة الخبر للواقع فأخبر فإنّه يصدق حينئذٍ عنوان الكذب؛ لما تقدّم من أنّ الكذب هو القول المخالف للواقع، فإذا لم
[١] نهاية الدراية ٤: ١٩٣.