إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ٥٣٦ - ٢٣٦ و من خطبة له عليه السلام يذكر فيها آل محمد صلى الله عليه و آله و سلم
[٢٣٦]
و من خطبة له عليه السلام
يذكر فيها آل محمد صلى الله عليه و آله و سلم
هُمْ عَيْشُ اَلْعِلْمِ، وَ مَوْتُ اَلْجَهْلِ. يُخْبِرُكُمْ حِلْمُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ *، وَ ظَاهِرُهُمْ عَنْ بَاطِنِهِمْ وَ صَمْتُهُمْ عَنْ حِكَمِ مَنْطِقِهِمْ. لاَ يُخَالِفُونَ اَلْحَقَّ وَ لاَ يَخْتَلِفُونَ فِيهِ. وَ هُمْ دَعَائِمُ[١] اَلْإِسْلاَمِ، وَ وَلاَئِجُ[٢]اَلاِعْتِصَامِ[٣]. بِهِمْ عَادَ اَلْحَقُّ إِلَى نِصَابِهِ[٤]، وَ اِنْزَاحَ[٥] اَلْبَاطِلُ عَنْ مُقَامِهِ، وَ اِنْقَطَعَ لِسَانُهُ عَنْ مَنْبِتِهِ. عَقَلُوا اَلدِّينَ عَقْلَ وِعَايَةٍ وَ رِعَايَةٍ[٦]، لاَ عَقْلَ سَمَاعٍ وَ رِوَايَةٍ. فَإِنَّ رُوَاةَ اَلْعِلْمِ كَثِيرٌ وَ رُعَاتَهُ قَلِيلٌ.
(*) و في نسخةٍ (ظاهرهم عن باطنهم...).
[١] دَعَائِمُ: جمع الدعامة بكسر الدال، و هي عماد البيت، يقال: دعم الشيء دعماً من باب منع: إذا اسنده عند ميله أو لئلا يميل.
[٢] الاعْتِصَامِ: التمسّك. قال الله تعالى: (وَ اِعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اَللّٰهِ جَمِيعاً) [آل عمران - ١٠٣]، أي: تمسّكوا به.
[٣] وَلائِجُ: جمع وليجة، و هي بطانة الرجل و خاصّته و صاحب سرّه الَّذي يتَّخذه معتمداً عليه من غير أهله يكاشفه بأسراره ثقة بمودّته، و منه قوله تعالى: (وَ لَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اَللّٰهِ وَ لاٰ رَسُولِهِ وَ لاَ اَلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً) [التوبة - ١٦].
[٤] نِصَابِهِ: نصاب: الشيء: أصله و حدّه و مرجعه و مستقره.
[٥] انْزَاحَ: من الزوح، أي: زال و ذهب.
[٦] وِعَايَةٍ وَ رِعَايَةٍ: وعاء: بكسر أوّله، و قد يضمّ، ناقص يائيّ بمعنى الظرف، يوعي فيه الشيء. سمّي بذلك لأنّه يجمع ما فيه من المتاع يقال: وعي الشيء يعيه وعياً إذا حواه و جمعه، و وعي الحديث إذا حفظه و تدبّره. و قد يبدل واو وعاء بالهمزة، فيقال: إعاء.
ثمّ إن عبارة المتن في عدّة من نسخ النهج من المطبوعات المصريّة و الإيرانيّة و شروحها المتداولة هكذا: عقلوا الدين عقل وعاية و رعاية لا عقل سماع و رواية. و لكن الصواب ما ضبطناه في المتن اعني كون كلمة «وعاء» مكان «وعاية» و وعاية تحريف و تصحيف من النسّاخ، و لما رأوا كلمة رعاية بعدها غيّر و الوعاء بالوعاية ظنّاً منهم انّ الكلام يزيد به حسناً و أن الأصل كان كما ظنّوا و كم من نظير لمّا ذكرنا من خطاء النسّاخ و تحريفهم و هم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً، و ما علموا أن من المحسنات البديعيّة في كلامه عليه السّلام مشابهة قوله «وعاء و رعاية» بقوله «سماع و رواية» فإنّ الجمع بين وعاء و سماع ممّا يسمى في علم البديع جناس مضارع لتقارب الهمزة و العين في المخرج، نحو قوله تعالى: (وَ هُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَ يَنْأَوْنَ عَنْهُ) [الأنعام - ٢٦]، و كقوله صلّى الله عليه و آله الخيل معقود بنواصيها الخير. و الجمع بين رعاية و رواية يسمى طباقاً. على أنّ اللغة لا تساعد ما في النسخ و كم فحصنا في كثير من كتب الأدب و المعاجم المتداولة فما وجدنا من وعي أن يأتي وعاية مصدراً أو غير مصدر.