إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ٢٤٠ - حق الوالي و حق الرعية
عَظُمَتْ فِي اَلْحَقِّ مَنْزِلَتُهُ، وَ تَقَدَّمَتْ فِي اَلدِّينِ فَضِيلَتُهُ - بِفَوْقِ أَنْ يُعَانَ عَلَى مَا حَمَّلَهُ اَللَّهُ مِنْ حَقِّهِ. وَ لاَ اِمْرُؤٌ - وَ إِنْ صَغَّرَتْهُ[١] اَلنُّفُوسُ، وَ اِقْتَحَمَتْهُ اَلْعُيُونُ - بِدُونِ أَنْ يُعِينَ عَلَى ذَلِكَ أَوْ يُعَانَ عَلَيْهِ.
فأجاب له عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ بِكَلاَمٍ طَوِيلٍ، يُكْثِرُ فِيهِ اَلثَّنَاءَ عَلَيْهِ، وَ يَذْكُرُ سَمْعَهُ وَ طَاعَتَهُ لَهُ، فَقَالَ لَهُ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ:
إِنَّ مِنْ حَقِّ مَنْ عَظُمَ[٢] جَلاَلُ اَللَّهِ سُبْحَانَهُ فِي نَفْسِهِ، وَ جَلَّ مَوْضِعُهُ مِنْ قَلْبِهِ أَنْ يَصْغُرَ عِنْدَهُ - لِعِظَمِ ذَلِكَ - كُلُّ مَا سِوَاهُ، وَ إِنَّ أَحَقَّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَنْ عَظُمَتْ نِعْمَةُ اَللَّهِ عَلَيْهِ، وَ لَطُفَ إِحْسَانُهُ إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَمْ تَعْظُمْ نِعْمَةُ اَللَّهِ عَلَى أَحَدٍ إِلاَّ اِزْدَادَ حَقُّ اَللَّهِ عَلَيْهِ عِظَماً. وَ إِنَّ مِنْ أَسْخَفِ[٣] حَالاَتِ اَلْوُلاَةِ عِنْدَ صَالِحِ اَلنَّاسِ، أَنْ يُظَنَّ بِهِمْ حُبُّ اَلْفَخْرِ، وَ يُوضَعَ أَمْرُهُمْ عَلَى اَلْكِبْرِ.
وَ قَدْ كَرِهْتُ أَنْ يَكُونَ جَالَ فِي ظَنِّكُمْ أَنِّي أُحِبُّ اَلْإِطْرَاءَ[٤] وَ اِسْتِمَاعَ اَلثَّنَاءِ، وَ لَسْتُ - بِحَمْدِ اَللَّهِ – كَذَلِكَ، وَ لَوْ كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ لَتَرَكْتُهُ اِنْحِطَاطاً لِلَّهِ سُبْحَانَهُ عَنْ تَنَاوُلِ مَا هُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنَ اَلْعَظَمَةِ وَ اَلْكِبْرِيَاءِ، وَ رُبَّمَا اِسْتَحْلَى اَلنَّاسُ اَلثَّنَاءَ بَعْدَ اَلْبَلاَءِ، فَلاَ تُثْنُوا عَلَيَّ بِجَمِيلِ ثَنَاءٍ، لِإِخْرَاجِي نَفْسِي إِلَى اَللَّهِ سُبْحَانَهُ وَ إِلَيْكُمْ مِنَ اَلتَّقِيَّةِ[٥] فِي حُقُوقٍ لَمْ أَفْرُغْ مِنْ أَدَائِهَا، وَ فَرَائِضَ لاَ بُدَّ مِنْ
[١] صَغُرتُهُ: صغر الشيء يصغر من باب شرف صغراً، وزان عنب، إذا صار صغيراً، و صغر صغراً من باب تعب، إذا ذلّ و هان، قال تعالى: (وَ هُمْ صٰاغِرُونَ) [التوبة - ٢٩]، أي: داخرون ذليلون.
[٢] عَظُمَ: عظم الشّيء بالضّم عظماً كعنب إذ صار عظيماً.
[٣] أَسْخَفِ: سخف سخفاً و سخافة وزان قرب قرباً، فهو سخيف، و فلان في عقله سخف أي: نقص، و قال الخليل: السّخف في العقل خاصّة، و السخافة في كلّ شيء. [كتاب العين]
[٤] الإطْرَاءَ: أطريت فلاناً: مدحته بأحسن ما فيه، و قيل: بالغت في مدحه و جاوزت الحدّ.
[٥] مِنَ التَّقِيَّةِ: و قوله: من البقيّة: بالباء الموحّدة، كما في نسخة الشّارح المعتزلي و غيرها من بقي الدّين كذا فضل و تأخّر، و البقيّة اسم منه، و الجمع بقايا و بقيّات مثل عطية و عطايا و عطيات، و المنقول من خطّ الرّضي من التقية بالتاء المثناة. [منهاج البراعة - الخوئي]