منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٤٥ - الثاني فى بيان مداين الرس و قصة اصحابها
فكان الشيطان يجيء فيحرّك أغصانها و يصيح من ساقها صياح الصّبي أن قد رضيت عنكم فطيبوا نفسا و قرّوا عينا فيرفعون رؤوسهم عند ذلك و يشربون الخمر و يضربون بالمعازف و يأخذون الدستبند فيكون على ذلك يومهم و ليلتهم ثمّ ينصرفون.
و انما سمّت العجم شهورها بأبان ماه و آذرماه و غيرهما اشتقاقا من أسماء تلك القرى لقول أهلها بعضهم لبعض هذا عيد شهر كذا و عيد شهر كذا.
حتّى اذا كان عيد قريتهم العظمى اجتمع إليها صغيرهم و كبيرهم فضربوا عند الصنوبرة و العين سرادقا من ديباج عليه من أنواع الصور و جعلوا له اثنى عشر بابا كلّ باب لأهل قرية منهم و يسجدون للصنوبرة خارجا من السرادق و يقرّبون لها الذّبايح أضعاف ما قرّبوا للشجرة الّتي في قراهم.
فيجيء ابليس عند ذلك فيحرّك الصنوبرة تحريكا شديدا و يتكلّم من جوفها كلاما جهوريّا و يعدهم و يمنّيهم بأكثر ما وعدتهم و منتهم الشياطين كلّها فيرفعون رؤوسهم من السجود و بهم من الفرح و النشاط ما لا يفيقون و لا يتكلّمون من الشرب و العزف.
فيكونون على ذلك اثنى عشر يوما و لياليها بعدد أعيادهم ساير السّنة ثمّ ينصرفون.
فلما طال كفرهم باللّه عزّ و جلّ و عبادتهم غيره بعث اللّه عزّ و جلّ إليهم نبيّا من بني إسرائيل من ولد يهودا بن يعقوب، فلبث فيهم زمانا طويلا يدعوهم إلى عبادة اللّه عزّ و جلّ و معرفة ربوبيّته فلا يتّبعونه، فلما رأى شدّة تماديهم في الغىّ و الضلال و تركهم قبول ما دعاهم إليه من الرّشد و النجاح و حضر عيد قريتهم العظمى قال: يا ربّ إنّ عبادك أبوا إلا تكذيبى و الكفر بك و غدوا يعبدون شجرة لا تنفع و لا تضرّ فأيبس شجرهم أجمع و أرهم قدرتك و سلطانك.
فأصبح القوم و قد يبس شجرهم كلّها فهالهم ذلك و فظع بهم و صاروا فرقتين فرقة قالت: سحر آلهتكم هذا الرجل الّذي زعم أنه رسول ربّ السماء و الأرض إليكم ليصرف وجوهكم عن آلهتكم إلى اللّه، و فرقة قالت: لا بل غضبت آلهتكم حين