منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٢٤ - المعنى
سبحانه في كتابه بالامم الماضية و بما جرى منه في حقّ المؤمنين منهم من الجزاء الجميل و ما جرى في حقّ العاصين منهم من العذاب الوبيل (و ضربت) في الفرقان الحكيم (الأمثال لكم) الكثيرة الموضحة للحقّ من الباطل و الفارقة بينهما (و دعيتم إلى الأمر الواضح) أى إلى أمر الدّين و الاسلام الّذي أوضحه كتاب اللّه و سنّة رسوله حقّ الوضوح و لم يبق عليه سترة و لا حجاب.
و المقصود من هذه الجملات تنبيه المخاطبين على أنهم بعد ما حصل لهم هذه الأمور أعنى تجربة الأمور و أحكامها و الموعظة و ضرب الأمثال الظاهرة و الدّعوة إلى الأمر الواضح يحقّ لهم أن يعرفوا أحكام الشريعة حقّ المعرفة، و أن يميّزوا بين البدعات و السّنن إذ تلك الأمور معدّة لحصول المعرفة و لوضوح الفرق بين البدعة و السنّة و بين المجعولة و الحقيقة.
(فلا يصمّ عن ذلك) أى لا يغفل عن ما ذكر من الامور أو عن الأمر الواضح الّذى دعوا إليه (إلّا) من هو (أصمّ) أى الغافل البالغ في غفلته النهاية و التنوين للتفخيم و التعظيم كما في قوله تعالى: وَ عَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ أى غشاوة عظيمة و هكذا في قوله:
(و لا يعمى عنه إلّا أعمى) أى لا يضلّ عنه و لا يجهل به إلّا من هو شديد الضلال و الجهالة.
(و من لم ينفعه اللّه بالبلاء) أى بما بلاه به من المكاره و المصائب (و) ب (التجارب) المكتسبة من مزاولة الامور و مقاساة الشدائد (لم ينتفع بشيء من العظة) لأنّ تأثير البلاء و التّجارب في النفس أشدّ و أقوى من تأثير النصح و الموعظة، لأنّ الموعظة احالة على الغايب، و البلية و التجربة مدركة بالحسّ فمن لا ينفعه الأقوى لا ينفعه الأضعف بالطريق الأولى (و أتاه النقص من أمامه) أى من بين يديه.
قال الشارح البحراني: لأنّ الكمالات الّتي يتوجّه إليها بوجه عقله تفوته لنقصان تجربته و وقوف عقله عنها فأشبه فوتها له مع طلبه لها إتيان النقص له من أمامه.
مجاز و قوله (حتّى يعرف ما أنكر و ينكر ما عرف) إشارة إلى غاية نقصانه، و هى الاختلاط و الحكم على غير بصيرة، فتارة يتخيّل فيما أنكره و جهله أنّه عارف بحقيقته، و تارة