منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٢٦ - المعنى
و المقاييس تائهون في بوادى الجهالة، هائمون في فيافي الضلالة فقال:
(و إنّ اللّه سبحانه لم يعظ أحدا بمثل هذا القرآن) لأنّ الغرض من جميع المواعظ المتضمّنة للوعد و الوعيد و الترغيب و التهديد هو الجذب إلى طرف الحقّ و الارشاد إلى حظيرة القدس، و القرآن أبلغ منها كلّها في إفادة ذلك الغرض و أكمل في تحصيل ذلك المقصود (فانه حبل اللّه المتين) من تمسّك به نجا و من تركه فقد هوى، و وصفه بالمتانة و الاحكام لأنه حبل ممدود من الأرض إلى السماء من استمسك به فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها (و سببه الأمين) و وصفه بالامانة لأنه لا يخون المتوصّل به في ايصاله إلى حظاير القدس و مجالس الانس و قرب الحقّ (و فيه ربيع القلب) لأنّ القلوب تلتذّ و تنشط و ترتاح بتلاوة آياته و تدبّر ما فيها من المحاسن و المزايا و تفكّر ما تضمّنته تلك الايات من النكات البديعة و اللطايف العجيبة، كما أنّ النفوس تلتذّ بأزهار الربيع و أنواره.
(و) فيه (ينابيع العلم) استعارة بالكناية حيث شبّه العلم بالماء إذ به حياة الأرواح كما أنّ بالماء حياة الأبدان، و ذكر الينابيع تخييل، و في نسخة الشارح بدل ينابيع العلم: ينابيع العلوم و المقصود واحد، و إنما كان ينابيع العلوم اذ جميع العلوم خارجة منه لتضمّنه علم ما كان و ما هو كائن و ما يكون كما قال عزّ من قائل:
وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ.
(و ما للقلب جلاء غيره) إذ فيه منار الهدى و مصابيح الدّجى و التفكّر فيه يجلو القلوب من رين الشكوكات و يرتفع به عنها صدا الشبهات كما يجلو الصيقل المرات.
فان قلت: لم جعل الجلاء مقصورا فيه مع حصوله بغيره من العلوم الحقّة؟
قلت: لما كان القرآن ينابيع جميع العلوم حسبما عرفت يؤل حصول الجلاء بها إلى الجلاء به في الحقيقة، أو أنّ المراد نفى الكمال أى ليس للقلب جلاء كامل غيره.
و هذا الجواب أولى مما أجاب به الشارح البحراني من أنّ هذا الكلام صدر