الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٣٤٧ - مباحث الحسن والقبح العقليين
اللحوق[١] وحضور المُدرَك عند المُدرِك. وهو يختلف باختلاف طرفي هذه النسبة المتقوّمة بهما المنتزعة منهما..
ففي إدراك زيد لعمر مثلًا في الطريق إذا لحق به ظاهر، وأمّا في إدراك القوى النفسانية الظاهرية والباطنية لمدركاتها المحسوسة والمعقولة الصورية والمعنوية فإنّما هو بضرب من الاتّحاد ونحوٍ من الإحاطة والسعة.
فالنفس- بتوسّط هذه الحواسّ التي هي كالآلات الموصلة لها كمالها بل هي كالجنود والأعوان للنفس في ذبّ الأذى عنها وجلب الخير لها- تتّحد مع مدركاتها التي أوصلتها الحواسّ إليها بالنحو اللائق بها من الاتّحاد.
والاتّحاد كلّية على نحو الحقيقة والوحدة لا التركيب والانضمام لا يتحقّق بين المادّيين أصلًا؛ فإنّ المادّة مثار الكثرة والمغايرة.
ولقد أحسنوا فيما قالوا من: أنّ المادّي غائب عن نفسه؛ فضلًا عن غيره[٢]؛ نظراً إلى أنّ المادّي لا يُدرِك شيئاً من حيث المادّة، فهو غائب حتّى عن نفسه؛ إذ حيث لا إدراك فلا حضور.
وبالجملة: فالمادّي لابدّ أن يصير من سنخ مُدرِكه حتّى يُدرَك ويتّحد معه.
ألا ترى العناية الأزلية كيف جعلت آلة الإدراك التي هي الواسطة بين النفس ومدركاتها المادّية ذات جهتين: فمن جهةٍ تناسب المدرِك، وهي الجارحة كالعين مثلًا؛ لتنطبع فيها بالانعكاس أو الارتسام صور الأجسام وتتّحد معها بهذا النحو من الاتّحاد، ومن جهةٍ أُخرى تناسب المدرَك في التجرّد، وهي
[١] لاحظ لسان العرب ٤: ٣٣٤.
[٢] قارن: المباحثات ٣٥١، الذخيرة ٢١٤.