بحوث و مقالات - كاشف الغطاء، عباس - الصفحة ٢١٨ - ملحوظاته على الكتب المقدسة
١١- ذكر العلامة البلاغي ان ضابط ضرب الأمثال عند العوام والخواص ان يراعوا مناسبة المثل لمورد التمثيل والتشبيه ويعيبون المثل الذي لا يناسب ويعدونه من سوء الفهم وبساطة المغفلين القاصرين فمثلًا إذا أراد أحد ان يشهي ضيفه لأكل الرطب بمدح الرطب وبيان نضجه بشدة سواده فيقول له: كُلْ هذه الرطبة فإنها مثل الخنفساء ألا ترى دبسها يكاد يسيل مثل المخاط، فما بالك بالعهدين القديم والجديد التي تنسب انها من وحي الله فإن الامثال الموجودة فيها ممجوجة وغير مناسبة فمثلًا استجابة الدعاء تمثيلها في انجيل لوقا باستجابة الدعاء وقضاء الحاجة من أجل الضجر من اللجاجة، وتشبيه المتمردين عن المسيح ومن قبله الرسل الذين أرسلهم الله لأجل تكميل العباد بمثل انساناً غرس كرماً وبنى حائطه وبرجه ومعصرته وسلمه إلى كرامين وغاب عنهم فأرسل بعض عبيده ليأخذ من ثمر الكرم فضربوهم وقتلوا ثم أرسل آخرين ففعلوا بهم مثل ذلك فقال صاحب الكرم ماذا أفعل أرسل ابني الحبيب لعلهم يهابون فقتلوا ذلك الابن.
ومعلوم ان الله لم يرسل رسله ليأخذوا من ثمار التي انعم الله بها على عباده بل أرسلهم ليكملهم ويسعد العباد انفسهم بثمار تلك النعم، كما لا يناسب جلال الله ان يضرب له المثل بقول صاحب الكرم قول المتحيّر (ماذا أفعل؟)، ولا بقول صاحب الكرم المتوهم (أرسل ابني الحبيب لعلهم يهابون) فيخيب رجائه وينكشف وهمه ويسقط تدبيره وتستمر حيرته، ام مثل الخنفساء والمخاط أقل قبحاً من هذه الأمثال الذي ذكرت في انجيل لوقا[١].
والحاصل ان هؤلاء المؤلفين للاناجيل لم يكونوا مشاهدين بمرأى العين ما شهروا به، وانما هي روايات مختلفة عن عيسى طارت في البلاد فنقلها كل منهم حسب ما بلغته من افواه الرواة في بلده.
[١] الرحلة المدرسية: ١/ ١٥٧.