بحوث و مقالات - كاشف الغطاء، عباس - الصفحة ٩٢ - المروءة مؤشر من مؤشرات المجتمع
وقد بيّن الحكماء متى يجب على ذي المروءة إخفاء نفسه وإظهارها في المجتمع وحددوا ذلك بقدر ما يرى من نفاق[١] المروءة وكسادها[٢].
ومن الملحوظ أن المروءة في مجتمعنا قد قضى نحبها وشيعت ودفنت فإن لم يظهر أهل المروءات في المجتمع ويكونون مثالًا يحتذى بهم لنسيت هذه الخصلة الحميدة.
إنَّ أي قوم أو جماعة يمتدحون إذا نزلوا على حكم المروءة، فإن المجتمع يعرف رقيه وتقدمه وحضارته وثقافته بمقدار ما ينزل أفراده على حكم المروءة.
وكان يقال: إنَّ تعامل القرن الأول من الناس فيما بينهم كان بالدين حتى رقَّ الدين، ثم تعامل القرن الثاني بالوفاء حتى ذهب الوفاء، ثم تعامل القرن الثالث بالمروءة حتى فنيت المروءة، ثم تعامل القرن الرابع بالحياء حتى قلَّ الحياء، ثم صار الناس يتعاملون بالرغبة والرهبة[٣].
وذكر الحكماء أنَّ المروءة في المجتمع بوجود أربع خصال في فرده (بأن يعتزل الريبة فلا يكون في شيء منها فإذا كان مريباً كان ذليلًا، وأن يصلح ماله فلا يفسده فإنه إن أفسد ماله لم تكن له مروءة، وأن يقوم لأهله بما يحتاجون إليه حتى يستغنوا به عن غيره فإنَّ من احتاج أهله إلى الناس لم تكن له مروءة، وأن ينظر ما يوافقه من الطعام والشراب فيلزمه فأنَّ ذلك من المروءة)[٤].
وقد مُدِحَ أهل بغداد بأنَّهُمْ كانوا أهل مروءة، فقد روي عن ذي النون أنه كان يقول بمصر: من أراد أن يتعلم المروءة فعليه بسقاة بغداد، فقيل له: وكيف ذاك؟ فقال: لما حملت إلى بغداد رمي بي على باب السلطان مقيداً فمرَّ بي رجل متزر بمنديل مصري معتم بمنديل ديبقي بيده كيزان خزف رقاق وزجاج مخروط فسألت هذا ساقي السلطان؟ فقيل لي: لا، هذا ساقي العامة فأومأت إليه اسقني فتقدم وسقاني فشممت في الكوز رائحة المسك فقلت لمن معي: ادفع إليه ديناراً
[١] المراد بنفاق المروءة بفتح النون رَواجها.
[٢] أدب المجالسة: ١/ ٣٧
[٣] شرح نهج البلاغة: ١١/ ٢١٤، حلية الأولياء: ٤/ ٣١٢
[٤] شعب الإيمان: ٧/ ٤٤١.