بحوث و مقالات - كاشف الغطاء، عباس - الصفحة ٣٩٧ - العمائم تيجان العرب
وهو إدارة طرف العمامة تحت الحنك، فعن الصادق (ع): (من خرج في سفره ولم يذر العمامة تحت حنكه فأصابه ألم لا دواء له فلا يلومنّ إلا نفسه).
وروي في المأثور عن رسول الله (ص): (أنّ الله وملائكته يصلون على أصحاب العمائم). وتسمى عمامة رسول الله (ص) (السحاب) وأهداها إلى الإمام علي (ع)، فربما طلع الإمام علي فيها فيقول النبي (ص): (أتاكم علي في سحاب). وإنّ النبي (ص) دخل مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء، وكذلك يوم الخندق.
وقد فرق الرسول (ص) بين المسلمين والمشركين بالعمائم على القلانس فقال: (اعتموا خالفوا الأمم قبلكم). بل حث الإسلام على تعميم الميت فإنّه يستحب في الكفن العمامة للرجل ويكفي فيها المسمى، والأولى أنْ تدار على رأسه ويجعل طرفاها تحت حنكه على صدره الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن.
وكثيرا ما كان الرسول الأعظم (ص) يجلس الصحابي بين يديه فينقض عمامته بيده ويعممه إياه إمّا لتأميره على غزوة أو لقيادة أمر ما، أو لبيان كيفية وضع العمامة وهيئتها، فمنها ما صنعه الرسول (ص) مع الإمام علي (ع).
وفي المأثور عن كيفية وضع العمامة ذكر بإلقاء طرف منها بين اليدين وطرف بين الكتفين أو كليهما على الكتفين وذلك كما صنعه الإمام علي (ع) يوم الغدير وكما صنعه الإمام زين العابدين (ع)، والأولى تقصير ما على الخلف مقدار أربعة أصابع وذلك كما فعل النبي (ص) مع الإمام علي (ع) والظاهر أنّ الحنك مخصوص بذات الطرف الواحد.
ويستحب أنْ يتعمم الرجل من القيام، وكذلك لفها، وعد لفها من الجلوس من مورثات الفقر، وأنْ يقول عند تعممه: (اللهم سومني بسيماء الإيمان وتوجّني بتاج الكرامة، وقلدني حبل الإسلام ولا تخلع ربقة الإيمان من عنقي) كما روي دعاء آخر: (اللهم ارفع ذكري واعل شأني بعزتك وأكرمني بكرمك بين يديك وبين خلقك، اللهم توجني بتاج الكرامة والعز والقبول).
والعمامة في صدر الإسلام غالبا ما كانت بيضاء لأنّ هذا اللون كان محبباً ومرغوبا، وعن النبي (ص): (لو أنّ رجلًا خرج من منزله يوم السبت معتما بعمامة بيضاء قد حنكها تحت حنكه ثم أتى إلى جبل ليزيله من مكانه لأزاله من مكانه).
وميزت كبر حجم العمامة أحيانا الفرد والطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها وحتى نوع الحرفة والوظيفة التي يشغلها، وقد تميزت عمائم المسلمين عن عمائم غيرهم مثل المسيحيين واليهود والطوائف الأخرى. وقد بلغ من أهمية العمامة وشيوع استعمالها أنْ تعددت أسماؤها وأنواعها وألوانها تبعا للشخص ومركزه وأهميته في الوظيفة وطبقته الاجتماعية. فكان للفقهاء عمة وللخلفاء عمة وللكسبة عمة للأعراب عمة، فمثلا كانت عمائم القضاة كبيرة وعمائم الحاكة صغيرة الحجم، كما أنّ غير المرغوب بهم يؤمرون بنزع عمائمهم تحقيراً لهم، ولكن جوز خلعها في مناسبات مختلفة في عبادات معينة في أداء مناسك الحج وعزاء الخلفاء حيث أنّ الخلفاء لا تعزى في العمائم، والسير في تشييع العلماء، فالمشيعون يمشون خلف نعش العالم حاسري الرؤوس.
وكان من الرسوم المتبعة عند دخول الناس على الخلفاء والأمراء والسادة والعظماء أنْ يدخلوا وهم معممين، لأنّ ذلك أشبه بالتعظيم والإجلال وأبعد عن التبذل والاسترسال، وأجدر أن يفصلوا بين أنسهم في منازلهم ومواضع انقباضهم، فمن دخل عليهم ولم يرع من الرسوم المتبعة بشأن العمائم مكشوف الرأس أو ينزعها عندهم يلاقي من الأمر أرذله ومن الإهانة أقبحها، وكانت العمامة لباسا ملازما للخلفاء في معظم الأحيان حتى اعتبرت من ألبسة الخلافة ورجال الدولة في المناسبات الرسمية وكانت سوداء، وكانت الضرورة تقتضي على الخليفة