بحوث و مقالات - كاشف الغطاء، عباس - الصفحة ٣١٧ - ثانيا اليهود في المدينة المنورة
أذاعوا به، وقى الله المسلمين من شرهم فإنّهم سوس الأمم الذي ينخر في عظامها ويفسد عليها أمورها.
الفصل الثاني
اليهود في عصر النبوة
أولا: اليهود في مكة المكرمة
حين بعث النبي (ص) بمكة المكرمة لم تكن فيها أسر يهودية أو جالية منهم يعمل لها حساب كما هو الشأن في المدينة المنورة، بل كان فيها أفراد قليلون لا يؤبه لهم ولا يخشى بأسهم. واليهود في مكة كانوا يعتقدون أنهم غير داخلين في ضمن المخاطبين بالدعوة الإسلامية، ويحسبونها خاصة لأهلها على نسق الدعوات السابقة.
ثانياً: اليهود في المدينة المنورة
هاجر النبي (ص) إلى المدنية المنورة وهنالك واجه قوماً آخرين غير عبدة الأصنام الذين تركهم بمكة هؤلاء هم اليهود، ويهود المدينة أقوى وأخطر من أهل مكة، كما أنّ وجودهم بارز فيها من حيث كثرة العدد ووفرة المال وقوة السلاح وتعدد الحصون بالنسبة إلى اليهود في الحجاز، في الوقت الذي لا تربط النبي (ص) باليهود رابطة نسب تخفف من حدة المواجهة كما كانت رابطته بقريش. وحينما حلّ النبي (ص) في المدينة كتب بينه وبينهم عهداً آمنهم فيه على حريتهم الدينية وطقوسهم ومعابدهم وأموالهم وأبقاهم على محالفاتهم مع بطون الخزرج والأوس، وأوجب لهم الحماية مشترطاً عليهم أن لا يغدروا ولا يفجروا ولا يتجسسوا ولا يعينوا عدواً ولا يمدوا يداً بأذى. قال تعالى: [أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ][١].
وقوله تعالى: [الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونٍ][٢]. ولكن ما أن لبث الرسول الكريم (ص) في المدينة المنورة حتى أخذ اليهود ينظرون بعين التوجس إلى احتمال رسوخ قدمه وانتشار دعوته واجتماع شمل الأوس والخزرج تحت لوائه بعد ذلك العداء الدموي الذي كان اليهود من دون ريب يستغلونه في تقوية مركزهم، وخشوا على هذا المركز والامتيازات الكبيرة التي كانوا يتمتعون بها ويجنون منها أعظم الثمرات. ولهذا كان باعثاً على تنكرهم للدعوة وحقدهم على صاحب الرسالة (ص) منذ الخطوات الأولى في العهد المدني، ولما رأى اليهود الناس قد أخذوا ينصرفون عنهم ويتخذون النبي (ص) مرجعهم الأعلى ومرشدهم الأعظم وقائدهم المطاع استشعروا بالخطر العظيم يحدّق بمركزهم الذي يتمتعون به بين العرب وامتيازاتهم التي كانوا يستغلون العرب فيها إذا تم النجاح والاستقرار للنبي (ص)
[١] سورة البقرة: ١٠٠
[٢] سورة الأنفال: ٥٦.