تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٦٦
«وَ نادي أَصحابُ الجَنَّةِ أَصحابَ النّارِ»[١] و المراد ينادي. و قد استعمل المستقبل بمعني الماضي، قال زياد الأعجم في المغيرة بن المهلب يرثيه بعد موته:
فإذا مررت بقبره فانحر به خوص الركاب و کل طرف سابح
و انضج جوانب قبره بدمائها فلقد يکون أخادم و ذبائح[٢]
فقال (يکون) و معناه (کان) لدلالة الكلام عليه، لأنه في مرثية له بعد موته. و قوله «يا عِيسَي ابنَ مَريَمَ» يحتمل عيسي أن يکون منصوبا مثل ما تقول: يا زيد بن عبد اللّه، و هو الأكثر في كلام العرب. و انما يجوز ذلک إذا وقع الابن بين علمين، فأما إذا قلت يا زيد إبن الرجل لم يجز في زيد إلا الضم. و يحتمل أن يکون عيسي في موضع الضم و يکون نداء (إبن) كأنه قال يا عيسي يا إبن مريم.
و قوله «أَ أَنتَ قُلتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلهَينِ مِن دُونِ اللّهِ» تقريع في صورة الاستفهام و المراد بذلك تقريع و تهديد من ادعي ذلک، لأنه تعالي کان عالما بذلك هل کان أو لم يكن. و يحتمل وجهاً آخر- ذكره البلخي- ان اللّه تعالي أراد أن يعلم عيسي أن قومه اعتقدوا فيه و في أمه أنهما إلهان کما أن الواحد منا إذا أرسل رسولا الي قوم أن يفعلوا فعلا فأدي الرسالة و انصرف فخالفوا ذلک و علم المرسل و لم يعلم الرسول جاز أن يقول المرسل للرسول:
أ أنت أمرتهم بذلك! و غرضه أن يعلمه أنهم خالفوه. و انما قال (إلهين) تغليباً للذكر علي الأنثي. و الغرض بالكلام أن النصاري يعتقدون في المسيح أنه صادق لا يكذب و أنه ألذي أمرهم بأن يتخذوه و أمه إلهين، فإذا كذبهم الصادق عندهم ألذي ينسبون الامر به اليه کان ذلک آكد في الحجة عليهم و أبلغ في التوبيخ لهم و التوبيخ ضرب من العقوبة. و قيل في قوله تعالي «الهين»
[١] سورة ٧ الاعراف آية ٤٣
[٢] الاغاني ١٥: ٣٠٨ و رواية البيت الاول:
فإذا مررت بقبره فاعقر به || كوم الهجان و کل طرف سابح