تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٣٥٩
لهم، و لم يكن ذلک استخفافاً بهم بالأعمال.
و قد قال الجبائي: إن الطين خير من النار، لأنها أكثر منفعة للخلق من حيث أن الإرض مستقر الخلق و فيها معايشهم، و منها تخرج أنواع أرزاقهم لأن الخيرية في الإرض أو النار، إنما يراد بهما كثرة المنافع، دون كثرة الثواب، لأن الثواب لا يکون إلا للمكلف المأمور، و هذان جمادان.
و علي ما يذهب اليه أصحابنا أن ذلک يدل علي تفضيل آدم علي الملائكة و کان ذلک مستحقاً، فلذلك أسجد اللّه الملائكة له.
فإن قيل: لم اعترض إبليس علي اللّه مع علمه أنه لا يفعل إلا الحكمة!
قلنا عنه جوابان:
أحدهما- أنه اعترض کما يعترض السفيه علي الحكيم الحليم في تدبيره من غير فكر في العاقبة.
و الثاني- أن يکون جهل هذا بشبهة دخلت عليه. و علي ما نذهب اليه من أنه لم يكن عرف اللّه قط سقطت الشبهة.
و استدل أيضاً بهذه الآية علي أن الجواهر متماثلة بأن قيل: لا شيء أبعد الي الحيوان من الجماد، فإذا جاز أن ينقلب الطين حيواناً و إنساناً جاز أن ينقلب الي کل حال من أحوال الجواهر، لأنه لا فرق بينهما في العقل.
و استدل أيضاً بهذه الآية علي أن الأمر من اللّه يقتضي الإيجاب بأن اللّه تعالي ذم إبليس علي امتناعه من السجود حين أمره، فلو کان الأمر يقتضي الندب لما استحق العيب بالمخالفة و ترك الامتثال، و الامر بخلاف ذلک في الآية.
قوله تعالي: [سورة الأعراف (٧): آية ١٣]
قالَ فَاهبِط مِنها فَما يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخرُج إِنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ (١٣)
قوله «قالَ فَاهبِط مِنها» حكاية لقول اللّه تعالي لإبليس و أمره إياه أن