تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٤١٦
قوله تعالي: [سورة الأعراف (٧): آية ٥٠]
وَ نادي أَصحابُ النّارِ أَصحابَ الجَنَّةِ أَن أَفِيضُوا عَلَينا مِنَ الماءِ أَو مِمّا رَزَقَكُمُ اللّهُ قالُوا إِنَّ اللّهَ حَرَّمَهُما عَلَي الكافِرِينَ (٥٠)
آية بلا خلاف.
في هذه الآية حكاية ان اصحاب النار يوم القيامة ينادون اصحاب الجنة و اصحاب النار هم المخلدون في عذابها، لا جميع من فيها، لان فيها الزبانية الموكلون بعذاب أهلها.
و انما توعد اللّه بالعقاب بالنار دون اختراع لآلام او غيره من الأسباب، لأنه أهول في النفس و أعظم في الزجر، لما يتصور من الحال فيه، و ما تقدم من ادراك البصر له، و انهم يسألونهم ان يفيضوا عليهم شيئا من الماء. و الافاضة اجراء المائع من عل، و منه قولهم: أفاضوا في الحديث أي أخذوه بينهم من أوله لأنه بمنزلة أعلاه. و أفاضوا من عرفات الي مزدلفة معناه صاروا اليها.
قال الرماني: حد الماء جسم سيال يروي العطشان من غير غذاء الحيوان، و هو جوهر عظيم الرطوبة يزيد علي جميع المائعات في كثرة المنفعة.
و قوله «أَو مِمّا رَزَقَكُمُ اللّهُ» قال إبن زيد و السدي: طلبوا مع الماء شيئا من الطعام. و قال ابو علي: طلبوا شيئا من نعيم الجنة، فأجابهم اهل الجنة بتحريم المنع، لا تحريم العبادة، فقالوا: «إِنَّ اللّهَ حَرَّمَهُما عَلَي الكافِرِينَ» و انما جاز ان يطلبوا شيئا من نعيم الجنة مع اليأس منه، لأنهم لا يخلون من الكلام به او السكوت عنه، و كلاهما لا فرج لهم فيه. و انما لم يدرك اهل الجنة- مع خيريتهم- رقة علي أهل النار، لان من الخيرية القسوة علي اعداء اللّه و أعدائهم، و ذلک من تهذيب طباعهم کما يبغض المسيء و يحب المحسن، و ذلک دلالة علي ان اللّه تعالي بني هذه الجملة بنية لا تستغني عن الغذاء، لان اهل النار مع ما هم عليه من العذاب يطلبون الطعام و الشراب.