تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٤٣٨
بتضعيف العين، و قد ورد بهما التنزيل، قال اللّه تعالي «فَإِن تَوَلَّوا فَقَد أَبلَغتُكُم»[١] فنقل بالهمزة، و قال «يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغ»[٢] فنقل بتضعيف العين، فعلي هذين الوجهين اختلفوا في القراءة.
و في الآية حكاية عن قول نوح (ع) لقومه أنه قال لهم بعد ما أنكر عليهم أنه ليس به ضلالة، و انه رسول من عند اللّه، و أنه بلغهم ما حمله اللّه من رسالات ربه. و الإبلاغ إيصال ما فيه بيان و افهام، و منه البلاغة، و هي إيصال المعني الي النفس بأحسن صورة من اللفظ. و البليغ ألذي ينشئ البلاغة، لا ألذي يأتي بها علي وجه الحكاية. و الفرق بين الإبلاغ و الأداء أن الأداء لما يسمع، و حسن الأداء للقراءة. و الرسالات جمع رسالة، و هي جملة من البيان يحملها القائم بها ليؤديها الي غيره. و انما جمع- هاهنا- (رسالات) و في موضع آخر «رسالة»[٣] علي التوحيد، لأنه يشعر تارة بالجملة و تارة بالتفصيل، فلما دعا الي عبادة اللّه و طاعته و اجتناب محارمه و العمل بشريعته، کان هذا تفصيل رسالات اللّه تعالي. و رسالات اللّه حكم:
من ترغيب، و تحذير، و وعد، و وعيد، و مواعظ، و مزاجر، و حجج، و براهين و أحكام يعمل بها، و حدود ينتهي اليها.
و قوله «وَ أَنصَحُ لَكُم» فالنصيحة اخلاص النية من شائب الفساد في المعاملة. و (النصح) خلاف الغش في العمل، و لا يکون الغش إلا بسوء النية. و قوله «وَ أَعلَمُ مِنَ اللّهِ ما لا تَعلَمُونَ» فيه حث لهم علي طلب العلم من جهته، و تحذير من مخالفته، لما يعلم من العاقبة، فكأنه قال: أنا أعلم بحلول العقاب بمخالفتكم و ترك القبول مني «ما لا تَعلَمُونَ» أنتم، و يجوز أن يريد «و أعلم من» توحيد اللّه و صفاته و حكمته «ما لا تعلمونه». و في ذلک بطلان مذهب القائلين بأن معرفة اللّه ضرورة- و أن من لم يعرفه ضرورة فليس
[١] سورة ١١ هود آية ٥٧.
[٢] سورة ٥ المائدة آية ٧٠.
[٣] سورة ٧ الاعراف آية ٧٨.