تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٥٠٥
تصيير الشيء علي خلاف ما کان اما بإيجاده أو بإيجاد معني فيه و مثله التغيير.
و (ما) في قوله «ما كانُوا يَعمَلُونَ» يحتمل أمرين:
أحدهما- أن يکون بمعني المصدر، و التقدير و بطل عملهم.
و الثاني- أن يکون بمعني ألذي و تقديره و بطل الحبال و العصي الّتي عملوا بها السحر. و (ما) إذا كانت بمعني المصدر لا تعمل عمل (إنَّ) إذا كانت بمعني المصدر، لأمرين: أحدهما- أن (ما) اسم، و الاسم لا يعمل في الفعل. و الآخر- أن تنقل الفعل نقلين الي المصدر و الاستقبال تقول:
يعجبني ما تصنع، و يعجبني أن تصنع الخير.
قوله تعالي: [سورة الأعراف (٧): الآيات ١١٩ الي ١٢٢]
فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَ انقَلَبُوا صاغِرِينَ (١١٩) وَ أُلقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (١٢٠) قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسي وَ هارُونَ (١٢٢)
أربع آيات.
أخبر اللّه تعالي أنه لما القي موسي عصاه و صارت حية، و تلقفت ما أفكت السحرة: أن السحرة «فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَ انقَلَبُوا صاغِرِينَ» و الغلبة الظفر بالبغية من العدو، و في حال المنازعة تقول: غلب يغلب غلبة، فهو غالب و ذاك مغلوب أي مقهور، و غالبه مغالبة و تغالبا تغالباً و غلب تغليباً. و معني (هنالك) أي عند ذلک الجمع، فهو ظرف مبهم کما أن (ذا) مبهم و فيه معني الاشارة.
و قيل: هنا و هنالك و هناك، مثل ذا و ذاك و ذلک. و إنما دخلت اللام في (هنالك) لتدل علي بعد المكان المشار اليه، کما دخلت في (ذلک) لبعد المشار اليه، ف (هنا) لما بعد قليلا، و هنالك لما کان أشد بعداً. و إنما دخل كاف المخاطبة مع بعد الاشارة ليشعر بتأكيد معني الاشارة الي المخاطب ليتنبه علي بعد المشار اليه من المكان، و البعيد أحق بعلامة التنبيه من القريب.
و قوله «وَ انقَلَبُوا صاغِرِينَ» أي رجعوا أذلاء، و الصاغر الذليل،