تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ١١٣
آيتان بلا خلاف.
اخبر اللّه تعالي في هذه الآية عن الكفار الّذين ذكرهم في الآية الاولي، و بين أنهم قالوا لما دعاهم النبي (ص) الي الايمان و الإقرار بالبعث و النشور و خوفهم من العقاب في خلافه، و حذرهم عذاب الآخرة و الحشر و الحساب علي سبيل الإنكار لقوله و التكذيب له «ما هِيَ إِلّا حَياتُنَا الدُّنيا» و عنوا أنه لا حياة لنا في الآخرة علي ما ذكرت، و انما هي هذه حياتنا الّتي حيينا بها في الدنيا و انا لسنا بمبعوثين الي الآخرة بعد الموت. ثم خاطب نبيه (ص) فقال «وَ لَو تَري إِذ وُقِفُوا عَلي رَبِّهِم» يعني علي ما وعدهم ربهم من العذاب ألذي يفعله بالكفار في الآخرة و الثواب ألذي يفعله بالمؤمنين، و عرفوا صحة ما کان أخبرهم به من الحشر و الحساب. و قال لهم ربهم عند مشاهدتهم و وقوفهم عليه «أَ لَيسَ هذا بِالحَقِّ! قالُوا بَلي وَ رَبِّنا» مقرين بذلك مذعنين له و ان كانوا قبل ذلک في الدنيا ينكرونه، قال حينئذ «فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنتُم تَكفُرُونَ» بذلك.
و يحتمل أن يکون معني «إِذ وُقِفُوا عَلي رَبِّهِم» أنهم حبسوا ينتظر بهم ما يأمر كقول القائل: احبسه علي أمره به. و قد ظن قوم من المشبهة أن قوله «إِذ وُقِفُوا عَلي رَبِّهِم» أنهم يشاهدونه، و هذا فاسد، لان المشاهدة لا تجوز الا علي الأجسام أو علي ما هو حال في الأجسام، و قد ثبت حدوث ذلک أجمع، فلا يجوز أن يکون تعالي بصفة ما هو محدث. و قد بينا أن المراد بذلك:
وقوفهم علي عذاب ربهم و ثوابه، و علمهم بصدق ما أخبرهم به في دار الدنيا دون أن يکون المراد به رؤيته تعالي و مشاهدته، فبطل ما ظنوه. و ايضا فلا خلاف أن الكفار لا يرون اللّه، و الآية مختصة بالكافرين فكيف يجوز أن يکون