تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٢٢٧
و نعني بالبصيرة الحجة البينة الظاهرة. و أما الإبصار فهو الإدراك و لذلك يوصف تعالي بأنه مبصر کما يوصف بأنه مدرك و يسمي بأنه بصير، لأنه يجب أن يدرك المبصرات إذا وجدت و انما وصفت الدلالة بأنها جائية و ان کان لا يجوز أن يقال جاءت الحركة، و لا جاء السكون و لا الاعتماد، و غير ذلک من الاعراض لتفخيم شأن الدلالة حيث كانت بمنزلة الغائب المتوقع حضوره للنفس کما يقال جاءت العافية و انصرف المرض و أقبل السعد و أدبر النحس.
و قوله «فَمَن أَبصَرَ فَلِنَفسِهِ» يعني من تبين بهذه الحجج بأن نظر فيها حتي أوجبت له العلم و تبين بها، فمنفعة ذلک تعود عليه و لنفسه بما نظر. و من عمي فلم ينظر فيها و صدف عنها حتي جهل فعلي نفسه لان عقاب تفريطه لازم له و حال به، فسمي العلم و التبيين إبصارا مجازاً، و سمي الجهل عمي توسعا.
و في ذلک دلالة علي ان الخلق غير مجبرين بل هم مخيرون في أفعالهم.
ثم خاطب اللّه تعالي نبيه (ص) و أمره بأن يقول لهم «وَ ما أَنَا عَلَيكُم بِحَفِيظٍ» يعني برقيب علي أعمال العباد حتي يجازيهم بها،- في قول الحسن- بل هو شهيد عليهم، لأنه يرجع الي الحال الظاهرة الّتي تقع عليها المشاهدة. قال الزجاج: هذا قبل أن يؤمر بالقتال. ثم أمر أن يمنعهم بالسيف عن عبادة الأوثان.
و هذه الآية فيها أمر من اللّه لنبيه أن يقول لهؤلاء الكفار: قد جاءكم حجج من اللّه و هو ما ذكره في قوله «فالِقُ الحَبِّ وَ النَّوي»[١] الي ها هنا. و ما يبصرون به الهدي من الضلال، فمن نظر و علم فلنفسه نفع، و من جهل و عمي فلنفسه ضر. و لست أمنعكم منه و لا أحول بينكم و ما تحتاجون، و هو قول قتادة و إبن زيد.
قوله تعالي: [سورة الأنعام (٦): آية ١٠٥]
وَ كَذلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ وَ لِيَقُولُوا دَرَستَ وَ لِنُبَيِّنَهُ لِقَومٍ يَعلَمُونَ (١٠٥)
آية بلا خلاف.
[١] آية ٩٥ من هذه السورة.