تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٢٨٠
و قوله «وَ ما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعمَلُونَ» انما ذكره ليعلموا انه لا يفوته شيء منهما و لا من مراتبهما حتي يجازي عليه بما يستحق من الجزاء، و فيه تنبيه و تذكير للخلق في کل أمورهم.
و الغفلة ذهاب المعني عمن يصح ان يدركه. و الغفلة عن المعني و السهو عنه و الغروب عنه نظائر، و ضد الغفلة اليقظة، و ضد السهو الذكر، و ضد الغروب الحضور.
قوله تعالي: [سورة الأنعام (٦): آية ١٣٣]
وَ رَبُّكَ الغَنِيُّ ذُو الرَّحمَةِ إِن يَشَأ يُذهِبكُم وَ يَستَخلِف مِن بَعدِكُم ما يَشاءُ كَما أَنشَأَكُم مِن ذُرِّيَّةِ قَومٍ آخَرِينَ (١٣٣)
آية بلا خلاف.
اخبر اللّه تعالي في هذه الآية بأنه الغني. و الغني هو الحي ألذي ليس بمحتاج. و الغني عن الشيء هو ألذي يکون وجود الشيء و عدمه و صحته و فساده عنده بمنزلة واحدة، في انه لا يلحقه صفة نقص. و «ذو الرحمة» يعني صاحب الرحمة، و هو تعالي بهذه الصفة لرحمته بعباده.
ثم أخبره عن قدرته و انه لو شاء ان يذهب الخلق بأن يميتهم و يهلكهم و يستخلف من بعدهم ما يشاء بان ينشئ بعد هلاكهم کما أنشأهم في الاول من ذرية من تقدمهم. و كذلك ينشئ قوما آخرين من نسلهم و ذريتهم، و الجواب محذوف و الكاف في (کما) في موضع نصب و تقديره و يستخلف من بعدكم ما يشاء مثل ما استخلفكم. و في ذلک دلالة علي انه يصح القدرة علي ما علم انه لا يکون لأنه بين انه لو شاء لذهب بهم و أتي بقوم آخرين و لم يفعل ذلک، فدل ذلک علي انه يقدر علي ما يعلم انه لا يفعله.
و (من) في قوله «وَ يَستَخلِف مِن بَعدِكُم» للبدل كقولك: أعطيتك من