تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٢٥٠
قوله تعالي: [سورة الأنعام (٦): آية ١١٧]
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَ هُوَ أَعلَمُ بِالمُهتَدِينَ (١١٧)
آية بلا خلاف.
خاطب اللّه تعالي بهذه الآية نبيه (ص) و ان عني به جميع الامة انه تعالي «أَعلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ» بمعني أعرف، و المعني انه أعلم به ممن يعلمه، لأنه يعلمه من وجوه تخفي علي غيره، لأنه تعالي يعلم ما کان و ما يکون، و ما هو كائن الي يوم القيامة، و علي جميع الوجوه الّتي يصح ان تعلم الأشياء عليها و ليس كذلك غيره، لان غيره لا يعلم جميع الأشياء، و ما يعلمه لا يعلمه من جميع وجوهه. و أما من هو غير عالم أصلا، فلا يقال اللّه أعلم منه، لان لفظة أعلم تقتضي الاشتراك في العلم و زيادة لمن وصف بأنه أعلم، و هذا لا يصلح في من ليس بعالم أصلا الا مجازا، و لا يصح أن يقال: هو تعالي أعلم بأن الجسم حادث من کل من يعلم كونه حادثا، لان هذا قد ذكر الوجه ألذي يعلم منه و هو انه حادث، فان أريد بذلك المبالغة في الصفة، و أن هذه الصفة فيه أثبت من غيره فجاز أن يقال ذلک.
و ذكروا في موضع (من) وجهين من الاعراب:
قال بعضهم: موضعه نصب علي حذف الباء و تقديره أعلم بمن يضل ليكون مقابلا لقوله «وَ هُوَ أَعلَمُ بِالمُهتَدِينَ».
و قال الفراء و الزجاج: موضعها الرفع لأنها بمعني ( أي ) كقوله «لِنَعلَمَ أَيُّ الحِزبَينِ»[١] و صفة (أفعل) من كذا لا تتعدي لأنها غير جارية علي الفعل، و لا معدولة عن الجارية كعدل ضروب عن ضارب و منحار عن ناحر. و قال قوم:
ان (اعلم) هاهنا بمعني يعلم کما قال حاتم الطائي:
[١] سورة ١٨ الكهف آية ١٢