تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٥٩
«تَوَفَّتهُ رُسُلُنا» أي تقبضه، و التوفي هو القبض علي ما بيناه. ثم إن هؤلاء الرسل «لا يُفَرِّطُونَ» أي لا يقصرون- في قول الزجاج- و لا يغفلون، و لا يتوانون. و قال الجبائي: لا يأخذون روحه قبل أجله و يبادرون الي ما أمروا به عن غير تقصير، و لا تفريط. و المعني في التوفي ان يعلم العباد أنهم يحصون إذا ماتوا فلا يرون أنهم يهملون إذا ماتوا و أن احداً منهم لا يثبت ذكره ليجزي بعمله.
ثم بين ان هؤلاء الّذين تتوفاهم رسلنا يردون بعد الوفاة الي اللّه فيردهم الي الموضع ألذي لا يملك الحكم عليهم فيه الا اللّه و لا يملك نفعهم و لا ضرهم سواه فجعل ردهم الي ذلک الموضع ردا الي اللّه، و بين أنه هو «مَولاهُمُ الحَقِّ» لأنه خالقهم و مالكهم، و القاهر عليهم القادر علي نفعهم و ضرهم، و لا يجوز ان يوصف بهذه الصفة سواه، فلذلك کان مولاهم الحق. و قال البلخي: (الحق) اسم من اسماء اللّه و هو خفض، لأنه نعت للّه، و يجوز الرفع علي معني اللّه مولاهم الحق، و يجوز ان ينصب علي معني يعني مولاهم، و القراءة بالخفض.
و قوله: «أَلا لَهُ الحُكمُ» معناه ألا يعلمون أو ألا يقرون ان الحكم يوم القيامة هو له وحده!، و لا يملك الحكم في ذلک اليوم سواه، کما قد يملك الحكم في الدنيا غيره بتمليك اللّه إياه.
و قوله: «وَ هُوَ أَسرَعُ الحاسِبِينَ»
روي أنه تعالي يحاسب عباده علي مقدار حلب شاة
، و ذلک يدل علي أنه لا يحتاج ان يكلفهم مشقة و آلة علي ما يقوله المشبهة، لأنه لو کان كذلك لاحتاج ان يتطاول زمان محاسبته أو أنه يشغله محاسبته عن محاسبة غيره. و
روي عن أمير المؤمنين (ع) أنه قيل له: كيف يحاسب اللّه الخلق و هم لا يرونه! قال: کما يرزقهم و لا يرونه.
و المعني في الآية أنه تعالي أحصي الحاسبين لما أحصي الملائكة و توفوا من الأنفس لا يخفي عليه من ذلک خافية و لا يحتاج في عده الي فكر و نظر.