تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٤٠
ذلک علي أنه لا يجوز لأحد أن يعمل علي شيء من أمر الدين إلا بحجة.
و فيها دلالة علي وجوب المعرفة و أنها ليست ضرورية، لأن اللّه تعالي بين الحجاج عليهم في هذه الآية ليعرفوا صحة ما دعا الرسول اليه، و لو كانوا يعرفون الحق ضرورة لم يكونوا مقلدين لآبائهم و کان يجب أن يکون آباؤهم أيضاً عارفين ضرورة، و لو كانوا كذلك لما صح الاخبار عنهم بأنهم لا يعلمون شيئاً و لا يهتدون. و انما نفي عنهم الاهتداء و العلم معاً لان بينهما فرقاً، و ذلک أن الاهتداء لا يکون إلا عن بيان و حجة. و العلم مطلق و قد يکون الاهتداء ضرورة.
قوله تعالي: [سورة المائدة (٥): آية ١٠٥]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيكُم أَنفُسَكُم لا يَضُرُّكُم مَن ضَلَّ إِذَا اهتَدَيتُم إِلَي اللّهِ مَرجِعُكُم جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِما كُنتُم تَعمَلُونَ (١٠٥)
آية واحدة بلا خلاف.
لما بين اللّه تعالي حكم الكفار الّذين قلدوا آباءهم و أسلافهم و ركنوا اليهم في أديانهم، ذكر في هذه الآية أن المكلف انما يلزمه حكم نفسه و أنه لا يضره ضلال من ضل إذا کان هو مهتدياً، حتي يعلم بذلك أنه لا يلزمهم من ضلال آبائهم شيء من الذم و العقاب.
و «أنفسكم» نصب علي الإغراء كأنه قال: احفظوا أنفسكم أن تزلوا کما زل غيركم. و العرب تغري ب (عليك، و اليك، و دونك، و عندك) فينصبون الأسماء بها، و لم يغروا ب (منك) کما أغروا ب (اليك)، لأن (اليك) أحق بالتنبيه من (منك). و الإغراء تنبيه علي ما يجب أن يحذر، و لذلك لم يغروا ب (فيك) و نحوها من حروف الاضافة. و حكي المغربي: أنه سمع من يغري ب (وراءك) و (قدامك).