تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٣٨٨
الاكل و الشرب، و نهي عن الإسراف، و هناك قوم يحرمون كثيرا من الأشياء من هذا الجنس، قال اللّه تعالي منكراً لذلك «مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِي أَخرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزقِ». و قيل في معني الطيبات قولان: أحدهما- المستلذ من الرزق. الثاني- الحلال من الرزق، و الاول أشبه بخلوصه يوم القيامة. و إنما ذكر الطيبات من جملة ذلک- في قول إبن زيد و السدي- لأنهم كانوا يحرمون البحائر و السوائب، و ظاهر الآية يدل علي أنه لا يجوز لأحد تجنب الزينة و الملاذ الطيبة علي وجه التحريم، و أما من اجتنبها علي ان غيرها أفضل منها فلا مانع منه.
ثم أخبر تعالي فقال (هي) يعني الطيبات «لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَياةِ الدُّنيا خالِصَةً يَومَ القِيامَةِ» و قيل في معني «خالِصَةً يَومَ القِيامَةِ» قولان:
أحدهما- قال إبن عباس و الحسن و الضحاك و إبن جريج، و إبن زيد:
هي خالصة للمؤمنين دون أعدائهم من المشركين.
و قال أبو علي: هي خالصة لهم من شائب مضرَّة تلحقهم.
و قال أبو علي الفارسي: لا يخلو قوله «فِي الحَياةِ الدُّنيا» من أن يتعلق ب (حرم) أو ب (زينة) أو ب (أخرج) أو ب «الطيبات» أو ب «الرزق» من قوله «من الرزق» أو بقوله «آمنوا» و لا يجوز أن يتعلق ب (حرم) فيكون التقدير قل من حرم في الحياة الدنيا، و يکون المعني قل من حرم في وقت الحياة الدنيا، و لا يجوز أن يتعلق ب (زينة) لأنه مصدر أو جار مجراه، و لما وصفها لم يجز أن يتعلق بها شيء بعد الوصف کما لا يتعلق به العطف عليه، و يجوز أن يتعلق ب (أخرج) لعباده في الحياة الدنيا.
فإن قيل: كيف يتعلق ب (أخرج) و فيه فصل بين الصلة و الموصول بقوله «قُل هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا» و هو كلام مستأنف ليس في الصلة!
قيل لا يمنع الفصل به، لأنه مما يسدد القصة، و قد قال «وَ الَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثلِها وَ تَرهَقُهُم ذِلَّةٌ»[١] فقوله «وَ تَرهَقُهُم ذِلَّةٌ»
[١] سورة ١٠ يونس آية ٢٧.