تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٢٤٩
و الفرق بين الأكثر و الأعظم أن الأعظم قد يوصف به واحد، و لا يوصف بالأكثر واحد بحال، و لهذا يقال في اللّه تعالي انه عظيم و أعظم من کل شيء، و لا يقال أكثر و انما يقال أكبر بمعني أعظم.
و انما قال: ان تطعهم يضلوك، و ان كانت البدأة بالإغواء منهم لامرين:
أحدهما- ان المطيع يبتدأ باستشعار الطاعة، فإذا کان من الداعي أمر بشيء من الأشياء کان اطاعة و صدق بأنه مطيع.
و الثاني- ان دعاءهم لا يوصف بأنه إضلال لمن دعوه الا بعد الاجابة فكأنه قال: ان تجبهم تستحق الصفة بأنهم قد أضلوك، ثم أخبر تعالي عن هؤلاء الكفار انهم لا يتبعون الا الظن ألذي يخطئ و يصيب «وَ إِن هُم إِلّا يَخرُصُونَ» و معناه و ما هم الا كاذبين. و الخرص الكذب يقال: خرص يخرص خرصا و خروصا، و تخرص تخرصا و اخترص اختراصا و أصله القطع قال الشاعر:
تري قصد المران تلقي كأنها تذرع خرصان بأيدي الشواطب[١]
يعني جريدا يقطع طويلا و يتخذ منه الحصر، و هو جمع الخرص. و منه خرص النخل يخرصه خرصا إذا جزره، و الخريص الخليج ينقطع اليه الماء، و الخريص حبة القرط إذا كانت منفردة، و الخرص العود، لانقطاعه عن نظائره بطيب ريحه.
و قيل معني «وَ إِن تُطِع أَكثَرَ مَن فِي الأَرضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ» يعني في أكل الميتة، لأنهم قالوا للمسلمين: أ تاكلون ما قتلتم و لا تأكلون ما قتل ربكم!؟ فهذا إضلالهم. و قال بعضهم قوله «إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَ إِن هُم إِلّا يَخرُصُونَ» مثل قوله «يُوحِي بَعضُهُم إِلي بَعضٍ زُخرُفَ القَولِ غُرُوراً»[٢] يعني المتعمدين المتردين.
و في الآية دلالة علي بطلان قول أصحاب المعارف، و بطلان قولهم ان اللّه تعالي لا يتوعد من لا يعلم الحق، لان اللّه بين في هذه الآية أنهم يتبعون الظن و لا يعرفونه، و توعدهم علي ذلک. و ذلک بخلاف مذهبهم.
[١] قائله قيس بن الخطيم اللسان (شطب)
[٢] سورة ٦ الانعام آية ١١٢