تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٣٤٤
بين الإتباع و الاتباع ان أحدهما يتعدي الي مفعول، و الثاني يتعدي الي مفعولين، تقول: اتَّبعت زيدا و أتبعت زيدا عمرا. و وجوب الإتِّباع فيما أنزل اللّه يدخل فيه الواجب و الندب و المباح، لأنه يجب ان يعتقد في کل جنس ما أمر اللّه به، کما يجب ان يعتقد في الحرام وجوب اجتنابه.
و قوله «وَ لا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَولِياءَ» نهي من اللّه ان يتبعوا من دون اللّه و يتخذوا أولياء. و أولياء جمع وليَّ و هو ضد العدو، و هو يفيد الاولي و يفيد الناصر و غير ذلک مما بيناه فيما مضي[١].
و قوله «قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ» معناه الاستبطاء في التذكر، و خرج مخرج الخبر و فيه معني الامر، و معناه تذكروا كثيرا مما يلزمكم من أمر دينكم، و ما أوجبه اللّه عليكم. و اخبر انهم قليلا ما يتذكرون و (ما) زائدة، و تذكر معناه أخذ في التذكر شيئا بعد شيء مثل تفقه و تعلم، و يقال: تقيَّس إذا انتمي الي قيس، و لم يكن منهم، لأنه يدخل نفسه فيهم شيئا بعد شيء.
قوله تعالي: [سورة الأعراف (٧): آية ٤]
وَ كَم مِن قَريَةٍ أَهلَكناها فَجاءَها بَأسُنا بَياتاً أَو هُم قائِلُونَ (٤)
آية بلا خلاف.
(كم) لفظة موضوعة للتكثير و (رب) للتقليل. و انما کان كذلك، لان (رب) حرف، و (كم) اسم. و التقليل ضرب من النفي و (كم) تدخل في الخبر بمعني التكثير. فأما في الاستفهام، فلا، لان الاستفهام موكول الي بيان المجيب و الخبر الي بيان المخبر، و انما دخلها التكثير، لان استبهام العدد ان يظهر او يضبط انما يکون لكثرته في غالب الامر، ف (كم) مبهمة قال الفرزدق:
[١] سورة البقرة آية ٢٥٧ في ٢/ ٣١٣- ٣١٤ و في سورة المائدة آية ٥٨، في ٣/ ٥٤٩ و غيرهما كثير.