تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٤٥
قال ابو علي الفارسي: الوجه الغداة، لأنها تستعمل نكرة و تتعرف باللام فأما غدوة فمعرفة أبدا، و هو علم صيغ له. قال سيبويه: غدوة و بكرة جعل کل واحد منهما اسما للجنس کما جعلوا أم حنين اسما لدابة معروفة، كذلك هذا و وجه قراءة إبن عامر أن سيبويه قال زعم الخليل أنه يجوز ان تقول أتيتك اليوم غدوة و بكرة، فجعلها بمنزلة ضحوة.
و قوله «فتطردهم» نصب الدال، لأنه جواب النفي في قوله: «ما عَلَيكَ مِن حِسابِهِم» و نصب فيكون لأنه جواب لقوله: «وَ لا تَطرُدِ الَّذِينَ ...
ما عَلَيكَ مِن حِسابِهِم مِن شَيءٍ ... فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ» قال قوم يعني من حساب رزقهم في الدنيا ليس رزقهم في يدك و لا رزقك في أيديهم، بل اللّه رازق الجميع.
و قال الجبائي و هو الأظهر: ما عليك من أعمالهم، و لا عليهم من أعمالك، بل کل واحد يؤاخذ بعمله، و يجازي علي فعله، لا علي فعل غيره. و قوله «فَتَطرُدَهُم فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ» اخبار منه تعالي انه لو طرد کل هؤلاء تقربا الي الكبراء منهم کان بذلك ظالما. و النبي (ص) و ان لم يقدم علي القبيح جاز ان ينهي عنه، لأنه قادر عليه و ان کان النهي و الزجر يمتنع منه، کما قال تعالي «لَئِن أَشرَكتَ لَيَحبَطَنَّ عَمَلُكَ» و ان کان الشرك مأمونا منه.
قوله تعالي: [سورة الأنعام (٦): آية ٥٣]
وَ كَذلِكَ فَتَنّا بَعضَهُم بِبَعضٍ لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللّهُ عَلَيهِم مِن بَينِنا أَ لَيسَ اللّهُ بِأَعلَمَ بِالشّاكِرِينَ (٥٣)
آية بلا خلاف.
معني الآية انه تعالي اخبر انه يمتحن[١] الفقراء بالأغنياء و الأغنياء بالفقراء فيختبر صبر الفقراء علي ما يرون من حال الأغنياء، و اعراضهم عنهم الي طاعة الرسل و يختبر شكر الأغنياء و إقرارهم لمن يسبقهم من الفقراء، و الموالي و العبيد
[١] في المخطوطة «ابتلي» بدل «يمتحن».