تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٣٦
و الاستثناء راجع الي العذاب دون الساعة، لأنها لا تكشف و لا محيص عنها.
قوله تعالي: [سورة الأنعام (٦): الآيات ٤٢ الي ٤٣]
وَ لَقَد أَرسَلنا إِلي أُمَمٍ مِن قَبلِكَ فَأَخَذناهُم بِالبَأساءِ وَ الضَّرّاءِ لَعَلَّهُم يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) فَلَو لا إِذ جاءَهُم بَأسُنا تَضَرَّعُوا وَ لكِن قَسَت قُلُوبُهُم وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطانُ ما كانُوا يَعمَلُونَ (٤٣)
آيتان اعلم اللّه تعالي نبيه (ص) بهذه الآية انه قد أرسل الرسل قبله الي أقوام بلغوا من القسوة الي ان أخذوا بالشدة في أنفسهم و أموالهم ليخضعوا و يذلوا لأمر اللّه لان القلوب تخشع و النفوس تضرع عند ما يکون من أمر اللّه البأساء و الضراء. و قال قوم: البأساء الجوع، و الضراء النقص في الأموال و الأنفس.
و البأساء: من البأس و الخوف و الضراء من الضر، و قد يکون البأساء من البؤس، فأعلمه اللّه انه أرسل الي أمم و أخذها بالبأساء و الضراء، فلم تخشع و لم تضرع. و قال: «لَعَلَّهُم يَتَضَرَّعُونَ» و معناه لكي يتضرعوا. و قيل: معناها الترجي للعباد، کما قال: «لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَو يَخشي»[١]. قال سيبويه: المعني اذهبا أنتما علي رجائكما، و اللّه عالم بما يکون من وراء ذلک.
و قوله «فَلَو لا إِذ جاءَهُم بَأسُنا تَضَرَّعُوا» معناه هلا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا «وَ لكِن قَسَت قُلُوبُهُم» أي أقاموا علي كفرهم. قال الفراء كلما رأيت في الكلام (لولا) و لم تر بعدها أسماء، فهي بمعني (هلا)، كقوله: «لَو لا أَخَّرتَنِي إِلي أَجَلٍ قَرِيبٍ»[٢] و «فَلَو لا إِن كُنتُم غَيرَ مَدِينِينَ»[٣] و إذا کان بعدها اسم، فهي بمعني (لو) الّتي تكون في جوابها اللام، و (لوما) فيها ما في (لولا) من الاستفهام و الخبر.
و قد اخبر اللّه في هذه الآية ان الشيطان هو ألذي يزين الكفر للكافر بخلاف
[١] سورة ٢٠ طه آية ٤٤.
[٢] سورة ٦٣ المنافقون آية ١٠
[٣] سورة ٥٦ الواقعة آية ٨٦