تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٠٠
الحقيقة جاز أن يقال لهم «انظُر كَيفَ كَذَبُوا عَلي أَنفُسِهِم». قال البلخي:
و يدل علي ذلک قوله «وَ ضَلَّ عَنهُم ما كانُوا يَفتَرُونَ» أي ذهب عنهم و أغفلوه، لأنهم لم يكونوا نظروا نظراً صحيحا و لم يجاروا في نظرهم الالف و العادة، فيعلموا في هذا الوقت أن قولهم شرك، و لو صاروا الي العذاب لعلموا أنهم كانوا مشركين، و استغنوا بذلك، لكن هذا القول يکون عند الحشر. و قيل:
الجزاء بدلالة أول الآية. و قال مجاهد: قوله «انظُر كَيفَ كَذَبُوا عَلي أَنفُسِهِم» تكذيب من اللّه إياهم.
و قال الجبائي: قولهم «وَ اللّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشرِكِينَ» اخبار منهم أنهم لم يكونوا مشركين عند أنفسهم في دار الدنيا، لأنهم كانوا يظنون انهم علي الحق، فقال اللّه تعالي مكذبا لهم «أنظر» يا محمّد «كَيفَ كَذَبُوا عَلي أَنفُسِهِم» في دار الدنيا، لا أنهم كذبوا في الآخرة، لأنهم كانوا مشركين علي الحقيقة، و ان اعتقدوا أنهم علي الحق. و قوله: «وَ ضَلَّ عَنهُم ما كانُوا يَفتَرُونَ» أي ضلت عنهم أوثانهم الّتي كانوا يعبدونها و يفترون الكذب بقولهم: إنها شفعاؤنا عند اللّه غدا، فذهبت عنهم في الآخرة فلم يجدوها، و لم ينتفعوا بها.
و قال قوم: انه يجوز أن يكذبوا يوم القيامة للذهول و الدهش، لأنهم يصيرون كالصبيان الّذين لا تمييز لهم و لا تحصيل معهم- اختاره أحمد إبن علي بن الأخشاد. و أجاز النجار أن يكفروا في النار فضلا عن وقوعه قبل دخولهم فيها، و هذا بعيد. و الوجهان الأولان أقرب.
و قيل فيه وجه آخر، و هو أنهم أملوا أملا فخاب أملهم و لم يقع الامر علي ما أرادوا، لان من عادة النّاس أنهم إذا عوقبوا بعقوبة فتكلموا و استعانوا و صاحوا فان العذاب يسهل عليهم بعض السهولة، و ظنوا أن عذاب الآخرة كذلك، فقالوا: «وَ اللّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشرِكِينَ» و قالوا «رَبَّنا ظَلَمنا أَنفُسَنا»[١] و قالوا «رَبَّنا غَلَبَت عَلَينا شِقوَتُنا»[٢] و
[١] سورة ٧ الاعراف آية ٢٢
[٢] سورة ٢٣ المؤمنون آية ١٠٧