تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٩٩
أ ليس في التوراة أن اللّه يبغض الحبر السمين! فغضب، و قال: ما أنزل اللّه علي بشر من شيء، فلعنته اليهود و تبرأت منه، فنزلت هذه الآية، ذكر ذلک عكرمة و قتادة
، و قال محمّد بن كعب القرطي: نزلت في جماعة من اليهود. و روي مثل ذلک عن إبن عباس. و قال مجاهد نزلت في مشركي قريش، و روي ذلک عن إبن عباس أيضا، و هو أشبه بسياق الآية، لأنهم الّذين أنكروا أن يکون اللّه أنزل كتابا علي بشر، دون اليهود و النصاري.
و معني قوله «وَ ما قَدَرُوا اللّهَ حَقَّ قَدرِهِ» أي ما عرفوه حق معرفته و ما وصفوه بما هو أهل أن يوصف به «إِذ قالُوا ما أَنزَلَ اللّهُ عَلي بَشَرٍ مِن شَيءٍ» أي ما أرسل اللّه رسولا، و لم ينزل علي بشر من شيء، مع أن المصلحة و الحكمة يقتضيان ذلک، و دلت المعجزات الباهرة علي بعثة كثير منهم. ثم أمر اللّه نبيه أن يقول لهم «مَن أَنزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسي نُوراً وَ هُديً لِلنّاسِ» فإنهم يقرون بذلك، و ان اللّه أنزله و بعث موسي (ع) نبيا و إن لم يقروا بذلك فقد خرجوا من اليهودية الي قول من ينكر النبوات. و الكلام علي من أنكر ذلک أصلا مذكور في النبوات مستوفي لا نطول بذكره ها هنا.
و علي ما قلناه: من أن الآية متوجهة الي مشركي قريش من حيث أن اللّه تعالي من أول السورة الي ها هنا في الاخبار عن أوصاف المشركين و عن أحوالهم و كذلك أول الآية في قوله «وَ ما قَدَرُوا اللّهَ حَقَّ قَدرِهِ» لأنهم كانوا لا يعتقدون التوحيد و يعبدون مع اللّه الأصنام، و أهل الكتاب كانوا بخلاف ذلک، لأنهم كانوا يعتقدون التوحيد فلا يليق بهم ذلک، و إن کان اليهود عندنا أيضا غير عارفين باللّه علي وجه يستحقون به الثواب. و القول الآخر أيضا محتمل.
فعلي ما اخترنا يکون قوله «قُل مَن أَنزَلَ الكِتابَ» متوجها الي اليهود و النصاري، لأنهم المقرون بذلك دون قريش و مشركي العرب، و يجوز أن يکون متناولا للمشركين أيضا، و يکون علي وجه الاحتجاج عليهم، و التنبيه لهم علي ما ظهر من معجزات موسي و ظهور نبوته، و هذا ألذي اخترناه قول