تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٢٦١
و الأكابر جمع الأسماء، و الكبر جمع الصفات تقول: كبير و أكابر و يجوز أن يکون جمع أكبر علي أكابر. و قد قالوا: الاكابرة و الاصاغرة، کما قالوا:
الاساورة و الاحامرة قال الشاعر:
ان الاحامرة الثلاثة أهلكت مالي و كنت بهن قدما مولعا
الخمر و اللحم السمين أحبه و الزعفران فقد أبيت مودعا[١]
و قوله «لِيَمكُرُوا فِيها» اللام لام العاقبة و يسمي لام الصيرورة، کما قال «فَالتَقَطَهُ آلُ فِرعَونَ لِيَكُونَ لَهُم عَدُوًّا وَ حَزَناً»[٢] و قال الشاعر:
فاقسم لو قتلوا مالكا لكنت لهم حية راصدة
و ام سماك فلا تجزعي فللموت ما تلد الوالدة[٣]
و ليس المراد بها لام الغرض، لأنه تعالي لا يريد أن يمكروا، و قد قال «وَ ما خَلَقتُ الجِنَّ وَ الإِنسَ إِلّا لِيَعبُدُونِ»[٤] و إرادة القبيح قبيحة. و التقدير و كذلك جعلنا في کل قرية أكابر مجرميها ليطيعوني و يمتثلوا أمري، و کان عاقبتهم أن مكروا بالمؤمنين و خدعوهم، فقال اللّه تعالي «وَ ما يَمكُرُونَ إِلّا بِأَنفُسِهِم» لان عقاب ذلک يحل بهم. و المكر هو فتل الشيء الي خلاف الرشد علي وجه الحيلة في الامر. و المكر و الختل و الغدر نظائر. و أصل المكر الفتل. و منه جارية ممكورة أي مفتولة البدن. و وجه مكر الإنسان بنفسه أن وبال مكره يعود عليه، كأنه قال و ما يضرون بذلك المكر الا أنفسهم، و ما يشعرون انهم يمكرون بها، و لا يصح أن يمكر الإنسان بنفسه علي الحقيقة، لأنه لا يصح أن يخفي عن نفسه معني ما يحتال به عليها و يصح أن يخفي ذلک عن غيره.
و فائدة الآية ان أكابر المجرمين لم يمكروا بالمؤمنين علي وجه المغالبة للّه، إذ كأنه جعلهم ليمكروا مبالغة في انتفاء صفة المغالبة.
[١] قائلة الأعشي. ديوان الاعشيين: ٢٤٧ و اللسان «حمر» و تفسير الطبري ١٢/ ٩٤ و فيه اختلاف كثير في الرواية، و قد أثبتنا ما في مخطوطة التبيان
[٢] سورة ٢٨ القصص آية ٨
[٣] مر تخريجه في ٣/ ٦٠ و سيأتي في ٥/ ٤٣
[٤] سورة ٥١ الذاريات آية ٥٦.