تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٩٩
فمضي و قدمها و كانت عادة منه إذا هي عودت أقدامها[١]
فأنث الاقدام لتأنيث (عادة). و قوله: «ثُمَّ لَم تَكُن فِتنَتُهُم» أي لم تكن بليتهم الّتي ألزمتهم الحجة و زادتهم لائمة الا قولهم.
و معني الآية: أنه تعالي لما ذكر قصص هؤلاء المشركين الّذين كانوا مفتنين بشركهم، أعلم النبي (ص) أن افتتانهم بشركهم، و إقامتهم عليه لم يكن الا أن تبرءوا منه، و قالوا انهم ما كانوا مشركين، کما يقول القائل إذا رأي إنسان إنساناً يحب غاوياً فإذا وقع في هلكة تبرأ منه فيقول له ما كانت محبتك لفلان الا أن انتفيت منه.
فان قيل: كيف قالوا و حلفوا أنهم ما كانوا مشركين- و قد كانوا مشركين- و هل هذا إلا كذب، و الكذب قبيح و لا يجوز من أهل الآخرة أن يفعلوا قبيحا، لأنهم ملجؤون الي ترك القبيح، لأنهم لو صح لم يكونوا ملجئين و كانوا مختارين، وجب أن يكونوا مزجورين عن فعل القبيح، و إلا أدي الي اغرائهم بالقبيح و ذلک لا يجوز، و لو زجروا بالوعيد عن القبائح لكانوا مكلفين و لوجب أن يتناولهم الوعد و الوعيد، و ذلک خلاف الإجماع، و قد وصفهم اللّه تعالي أيضا بأنهم كذبوا علي أنفسهم، فلا يمكن جحد أن يكونوا كاذبين، فكيف يمكن أن يرفع ذلک! و ما الوجه فيه!
و الجواب عن ذلک من وجوه:
أحدها- ما قاله البلخي: إن القوم كذبوا علي الحقيقة، لأنهم كانوا يعتقدون أنهم علي الحق، و لا يرون أنهم مشركون، كالنصاري و من أشبههم، فقالوا في الموقف ذلک. و قيل: ان يقع بهم العذاب فيعلموا بوقوعه أنهم كانوا علي باطل فيقولوا «وَ اللّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشرِكِينَ» و هم صادقون عند أنفسهم و كذبهم اللّه في ذلک، لان الكذب هو الاخبار بالشيء لا علي ما هو به، علم المخبر بذلك أو لم يعلم، فلما کان قولهم «وَ اللّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشرِكِينَ» كذباً في
[١] اللسان (قدم) و روايته (عردت) بدل (عودت).