تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٧١
فغفرت لهم فأنت العزيز الحكيم.
و من ذهب الي أن قول اللّه «يا عِيسَي ابنَ مَريَمَ أَ أَنتَ قُلتَ لِلنّاسِ» إخبار عما مضي و أن اللّه قال ذلک عند ما رفعه اليه، قال: انما عني عيسي ان تعذبهم بمقامهم علي معصيتك فإنهم عبادك و ان تغفر لهم بتوبة تكون منهم، لان القوم كانوا في الدنيا لان عيسي لم يشك في الآخرة أنهم مشركون. و قد انقطعت التوبة، و انما قال ذلک في الدنيا و جعل قول اللّه تعالي «هذا يَومُ يَنفَعُ الصّادِقِينَ صِدقُهُم» جوابا للرسل حين سألهم ما ذا أجبتم «قالوا لا علم لنا» فصدقهم اللّه في ذلک. و مثل ذلک قال عمرو إبن عبيد و الجبائي و الزجاج و كلهم شرط التوبة. و هذا ألذي ذكروه ترك للظاهر و زيادة شرط في ظاهرها ليس عليه دليل. و قوله «إِنَّ اللّهَ لا يَغفِرُ أَن يُشرَكَ بِهِ»[١] انما هو اخبار لامة نبينا بأن لا يغفر الشرك و لا نعلم ان مثل ذلک أخبر به الأمم الماضية فلا متعلق بذلك. و يمكن أن يکون الوجه في الآية مع تسليم ان کان عارفا بأن اللّه لا يغفر أن يشرك به و انه أراد بذلك تفويض الامر الي مالكه و تسليمه الي مدبره و التبري من أن يکون له شيء من أمر قومه، کما يقول الواحد منا إذا تبرء من تدبير أمر من الأمور و يريد تفويضه الي غيره: هذا الامر لا مدخل لي فيه فان شئت أن تفعله و ان شئت ان تتركه مع علمه ان أحدهما لا يکون منه.
و قوله «فَإِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ» معناه انك القادر ألذي لا يغالب و أنت حكيم في جميع أفعالك فيما تفعله بعبادك.
و قيل معناه «فَإِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ» القدير ألذي لا يفوتك مذنب و لا يمتنع من سطوتك مجرم «الحكيم» فلا تضع العقاب و العفو الا موضعهما. و لو قال: الغفور الرحيم کان فيه معني الدعاء لهم و التذكير برحمته، علي أن العذاب و العفو قد يكونان غير صواب و لا حكمة فالإطلاق لا يدل علي الحكمة و الحسن. و الوصف بالعزيز الحكيم يشتمل علي العذاب و الرحمة إذا كانا
[١] سورة النساء آية ٤٧، ١٥١.