تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٥٣٨
قرأ أهل الحجاز، و روح «برسالتي» علي التوحيد. الباقون «برسالاتي» علي الجمع. و الرسالة تجري مجري المصدر فتفرد في موضع الجمع، و إن لم يكن المصدر من (أرسل) يدلك علي أنه جار مجراه قول الأعشي:
ففادك بالخيل أرض العدو و جذعانها كلقيطة العجم[١]
فاعماله إياها إعمال المصدر بذلك علي أنه يجري مجراه، و المصدر قد يقع لفظ الواحد فيه و المراد به الكثرة، و کان المعني علي الجمع لأنه مرسل لضروب من الرسالة، و المصادر قد تجمع مثل الحلوم و الألباب. و قال تعالي «إِنَّ أَنكَرَ الأَصواتِ لَصَوتُ الحَمِيرِ»[٢] فجمع الأصوات لما أريد بها أجناس مختلفة صوت الحمار بعضها، فأفرد صوت الحمار، و إن کان المراد به الكثرة، لأنه صوت واحد.
أخبر اللّه تعالي في هذه الآية أنه نادي موسي (ع) و قال له «يا مُوسي إِنِّي اصطَفَيتُكَ» و معني الاصطفاء استخلاص الصفوة لما لها من الفضيلة. و الفضائل علي وجوه كثيرة: أجلها قبول الأخلاق الكريمة و الأفعال الجميلة، و لهذا المعني اصطفي موسي (ع) حتي استحق الرسالة، و أن يكلم بتلقين الحكمة.
و قوله تعالي «برسالاتي و بكلامي» فيه بيان ما به اصطفاه و هو أن جعله نبياً و خصه بكلامه بلا واسطة، و هما نعمتان عظيمتان منه تعالي عليه، فلذلك امتن بهما عليه، و إنما صار في كلام الجليل نعمة علي المكلم، لأنه كلمه بتعليم الحكمة من غير واسطة بينه و بين موسي، و من أخذ العلم عن العالم المعظم کان أجل رتبة، و لو كلم إنساناً بالانتهار و الاستخفاف، لكان نقمة عليه بالضد من تلك الحال.
و قوله تعالي «فَخُذ ما آتَيتُكَ» معناه تناول ما أعطيتك «وَ كُن مِنَ الشّاكِرِينَ» يعني من المعترفين بنعمتي، و الشكر هو الاعتراف بالنعمة مع القيام بحقها علي حسب مرتبتها، فإذا كانت من أعظم النعم، وجب أن تقابل
[١] ديوانه: ٣٠ القصيدة ٣.
[٢] سورة ٣١ لقمان آية ١٩.